تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
باختيار العبد فان النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلا إن انضاف إليها التربية ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتّى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتّى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى اللّه وليس المطلوب إلا ذلك دون القمع بالكلية . وهيهات فان الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة ولو انقطع شهوة الطعام لهلك الانسان ، ولو انقطع شهوة الوقاع لانقطع النسل ، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الانسان عن نفسه ما يهلكه ، ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حبّ المال الذي يوصل إلى الشهوة حتّى يحمل ذلك على امساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردّها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الافراط والتفريط . فالمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بان يخلو عن التّهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ، ولو بطل الغضب لامتنع جهاد الكفار وكيف يقصد قلع الغضب والشهوة بالكلية والأنبياء ( عليهم السلام ) لم ينفكوا عن ذلك قال سيّدهم ( ص ) : « إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر » « 1 » وكان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتّى يحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق قال اللّه تعالى :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
« 2 » ولم يقل والفاقدين الغيظ . وربّما تستولي الشهوة على الانسان بحيث لا يقوي عقله على دفعها عن الانبساط إلى الفواحش ، وبالرياضة تعود إلى الاعتدال فدلّ على أن ذلك ممكن والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها .

الفصل الثاني تهذيب الاخلاق بالمجاهدة

قد يكون اعتدال القوتين فطريا بحيث يخلق الانسان وينشأ كامل العقل حسن الخلق قد كفى
هامش
( 1 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 55 . ( 2 ) سورة آل عمران : آية 134 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 62 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى