قال النّبي ( ص ) : « في القلب لمّتان : لمة « 1 » من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنّه من اللّه فليحمد اللّه ، ولمّة من العدو ايعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ومن وجد ذلك فليتعوّذ من الشيطان ثم تلا :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
« 2 » الآية » « 3 » .
وقال ( ص ) : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمان » « 4 » يقلبه كيف يشاء . كنّى به عن سرعة التقلب والقدرة على التحريك والتغيير باستسخار الملك والشيطان ، فانّهما مسخّران بقدرته في تقليب القلوب كما أنّ أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا .
والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشيطان قبولا متساويا ، وإنّما يترجح أحدهما على الآخر باتباع الهوى والاكباب على الشهوات وبمخالفتهما فمهما غلب على القلب ذكر الدّنيا ومقتضيات الهوى وجد الشيطان مجالا فوسوس ، ومهما انصرف إلى ذكر اللّه ارتحل الشيطان وضاق مجاله وأقبل الملك وألهم ، فالتطارد بين جندي الملائكة والشيطان في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيسكن ولا يستوحش ويكون اجتياز الثاني اختلاسا ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
« 5 » .
الفصل الخامس مكائد الشيطان
اعلم أنه قد تلتبس لمّة الشيطان بلمّة الملك فان من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في مكان « معرض خ » الخير كما يقول للعالم بطريق الوعظ أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل هلكى من الغفلة قد أشرفوا على النار ؟ أما لك رحمة على عباد اللّه تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك ؟ وقد أنعم اللّه عليك بقلب بصير ولسان زلق ولهجة مقبوله فكيف تكفر نعمه وتتعرض لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة خلق اللّه سبحانه إلى الصراط المستقيم ؟ فلا يزال يقرر ذلك في نفسه ويستجرّه بلطائف الحيل إلى أن يشغل بوعظ الناس .
هامش
( 1 ) معناه النزول به والقرب منه ، وقيل : اللمة الهمة تقع في القلب فما كان من خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان ( مجمع ) .
( 2 ) سورة البقرة : آية 268 .
( 3 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 27 .
( 4 ) العوالي : ج 1 ص 48 واحياء علوم الدين : ج 1 ص 94 .
( 5 ) سورة الأعراف : آية 201 .