تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
أما للقلوب أن تخشع ، أما للعيون أن تدمع ، أما للصّدور أن تجزع ، أما للعاصي أن يفزع من الذّنوب ، أما للخاطي أن يرجع عن العيوب ، أما تعلم أيّها العاصي أنه لا تخفى خافية على علام الغيوب أما تعلم أنك مأخوذ مطلوب ، ومتعتع في النار مسحوب ، أما تعلم أنك مفارق لكل صديق ودمعك على خدك مسكوب ، أما تخاف وأنت عن رحمته محجوب ، وعلى وجهك في النار مكبوب ، فيا له من جسد متعوب ، ودمع مسكوب وقلب وعقل مرعوب . قال الوافد : كيف الاحتيال في الخلاص ؟ قال العالم : أما تعتبر أما تزدجر ، أما تستغفر ، أما لك فيمن مضى عبرة ، أما في أحد مثلك فكرة إلى متى هذه الجفوة والفترة إني أخاف عليك من القسوة والحسرة ، فكم هذه الغفلة العامرة ، والقسوة الحاضرة ، أما تغتنم أيامك ، أما تمحو آثامك أما تكفر أجرامك ، أما تحذر ما قدامك ، أنسيت ما أمامك ، أما تنتبه من رقادك ، أما تتأهب لمعادك ، أنسيت اللحد وضيقه ، أغفلت عن البعث والنشور يوم يظهر كل مستور ، ويحصل ما في الصّدور . إلى متى تعلل بالأيمان الكاذبة ، وتضيع الحقوق الواجبة ، أفنسيت الأحباء فلم تعتبر ، وغيبتهم المقابر فلم تزدجر . ما للناس لا يرجعون ، يوعظون فلا يعقلون ، ينهون فلا ينتهون ، ينادون فلا يسمعون ، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ، يقولون ما لا يفعلون يأملون مالا يبلغون ، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ، وإذا أمروا بالطاعة لا يطيعون ، ويجمعون ما لا يأكلون ولا يلبسون ، بل هم يكذبون ويسرفون ، وينافقون ويحلفون ويخالفون ويراؤون ويبخلون فبأي حديث بعد القرآن يؤمنون ويجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ، لا من اللّه يخافون ، ولا عند المعاصي يستحيون ، ينامون نوم البهايم ثم شربه ، ويأخذون فيه بالجرايم ثم يصبحون على خلاف ما يسمعون ، همومهم دنيّة ، وأعمالهم ردّية ، وأحوالهم غير مرضية . قال الوافد : كيف يصنع من أصبح مع هؤلاء ؟ قال العالم : يرضى صاحبا ، ويعتزل عنهم جانبا ، ويل لمن له ذنب وثناء مشهور ، وهو عند اللّه مثبور ، ظاهره بالخير معروف ، وباطنه بالدّنيا مشعوف وهو عن باب اللّه مصروف ، وثيابه أبيض من الحليب ، وقلبه مثل قلب الذيب ، باطنه من التقوى خراب ، وهو يطمع في الثواب ، وهو في الدّنيا سكران من غير شراب ، ظاهره فيه سيماء الصّالحين ، وباطنه فيه سيماء الجاحدين ، مقالته مقال الأبدال ، وأفعاله فعال الجهّال ، فأولئك من المطرودين عن باب ربّ