قال العالم : من غفل في وقت شبابه ندم في وقت خضابه « خطابه خ ل » الشاب لا يصبر على الصّواب ، ويندم عند الخضاب « الخطاب خ ل » ما أحسن الشاب في المحراب إلى متى العصيان ، إلى متى متابعة الشيطان ، إلى متى التجري على الرحمن إلى محضر لباس القطران ، وتهدّد مالك الغضبان ، وضرب الزبانية والأعوان ، ألا تفر من يوم الفاني إلى يوم الباقي وتتخلّص من الهوان واللوام .
أيّها المغرور بشبابه المسرور بأصحابه المحتال بأثوابه ، أما تحذر يوم عذابه ، وتخاف شديد عقابه ، كم من وجه صبيح ، وخدّ مليح ، وبدن صحيح ، ولسان فصيح أصبح في العذاب يصيح ، بين أطباق النار لا يستريح .
وكم من شباب ينظر الحبيب ، عاجله الموت وأحل به النحيب ، كم من مسرور بشبابه عاجله الموت من أحبابه إلى قبره وترابه ، أيّها الشاب الجهول إلى التراب منقول ، وعلى النعش محمول ، وعن اعمالك مسؤول ، ما لك لا ترجع ، ما لك لا تفزع ، ما لك لا تخضع ، اه من يوم يقول فيه المولى : عبدي شبابك فيم أبليته ، وعمرك فيما أفنيته ، فلا تنظر إلى الشباب وطراوته ، ولا تغتر في حسنه وملاحته ، ولكن انظر صرعته وندامته .
ما أحسن الاناب بالشباب ، وما أقبح الخضاب بمن قد شاب وما تاب ، ما بقاء الشيخ في الدّهر الا كبقاء الشمس على القصر في وقت العصر ، الشيب داعي الموت وناعي الفوت الشيب يأذن بالفراق ، ويخبر بالتلاق ، الشيب ظاهره وقار ، وباطنه ازدجار ، الشيب يكدر المنا ، ويكثر العناء ، الشيب كسل في كسل ، وعلل في علل وملل في ملل ، وخلل في خلل ، وآخره تقريب الأجل ، وقطع الأمل .
فلما بلغ كلام الوافد إلى هذا الحد قال له العالم : ما أسوأ عبد أقرب منه الأجل وهو يسيء العمل ، ما أسوأ عبد ظهر فيه الخجل وهو يكثر الزلل ، من شابت ذوائبه خفّت حبايبه ، أين الاستعداد ، أين تحصيل الزاد ، وأنت للذنوب تعتاد ، وقد ناداك المناد ، أين الرجع إلى اللّه أين المشتري نفسه من اللّه ، أين النادم من ذنبه ، اين الباكي على أمسه ، أين المستعدّ لرمسه ، أين الطالب للثواب ، أين الخايف للعذاب .
ألا ترجعون إلى الهدى ألا تقبلون إلى اللّه ، ألا تخافون من عذاب اللّه ، ألا تطمعون في ثواب اللّه ، ألا تقتدون بأولياء اللّه ، ألا تتوبون من الذّنوب . الا ترجعون عن العيوب ألا تندمون على ما أسلفتم ، ألا تعرفون لما تقترفون ، ألا تستغفرون لما اجرمتم .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 505
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٠٥