قال العالم : من لا عبادة له لا زاد له ولا عقبى له ، اقرع الباب يأتيك الجواب ، من أمل العظيم وهب الجسيم ، من أراد الجود أدام السجود ، من لا سجود له لا جود له ، من لا ندامة له لا كرامة له من لا خير فيه لا خير عنده ، خير البضاعة الطاعة ، من همّ بالطاعة نجى ، من فزعات الساعة ، لا بد من سهر الاسحار ، وقيام الليل وصيام النهار .
إذا أردت الجنة فاسجد وتضرع ، وأظمأ وتجوّع ، واسهر وتطوّع ، وتذلل وتخشع ، وتفرّد وتوحّد ، وأضجع وتجرّد ، إذا أردت أن تنال فضل الواحد الأحد اترك الآثام تأمن الصولة ، واعمل صالحا تكن صاحب الدولة ، واهجر الحرام تصل وأنت سالم ، من أكثر النحيب لم يكن عليه رقيب ، ومن دعا أجيب وكان له من كل خير نصيب ، من رغب إلى اللّه أعطاه ، ومن اكتفى به كفاه ، ومن استغنا به أغناه ومن لجأ اليه آواه .
قال الوافد : كيف أكون ذاكرا وأنا لا أسلم من الغفلة ؟
قال العالم : لا تقع العلة إلا فيمن أكثر الغفلة ، من غفل وقع في الزلل ، إذا أردت السعادة فودّع الوسادة ، وجالس أهل الزهادة ، وأكثر العبادة ، عجبا ممن يستريح وقد بان وباله ، وجميع ما كان في اللّه تلفه كان على اللّه خلفه ، اجتهد تجد ، واخلص تخلص ، اتبع الرسول وابشر بالوصول ، من اتصل وصل ، ومن أكثر الجدال نال خير منال ، وكفي الشدة والأهوال ، من خالف هواه كانت الجنة مأواه .
قال الوافد : فما حيلة من دنى من الباب فمنعوه الحجّاب فلم يصل إلى الأحباب ؟
قال العالم : حيلته ملازمة القلق والاكتياب ، والحزن والانتحاب ، والفرق والانتداب ، حتى يأذن له الأحباب ، ويفتحوا له الباب ، إذا أردت في الجنة الوقوف فأكثر في المساجد العكوف ، فإنك تأمن من كل مخوف ، كم من متردّد لا يؤذن له ، وطارق لا يفتح بابه ، وكم من طامع في ثوابه ، هو من أهل عذابه .
قال الوافد : فكيف الوصول ؟
قال العالم : تصل الليل بالنهار ، وتتضّرع في غسق الاسحار ، وتسبّح بالعشيّ والابكار ، وتتعود النّدم والاستغفار ، لعل اللّه يخفف عنك ثقل الأوزار ، ويحرم بدنك على النار .
قال الوافد : كنا صبيان فلعبنا ، فصرنا شبّان فسكرنا ، فصرنا كهولا فكسلنا ، فصرنا شيوخا فعجزنا وضعفنا فمتى نعبد اللّه ربّنا ، عطلنا الشباب بالجهالة ، وأذهبنا العمر في البطالة فأين الحجة والدلالة ؟
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 504
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٥٠٤