تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
وتشهد كما علمت وتعمل كما شهدت أن اللّه الواحد القهار الملك الجبار المحيي المميت الحي الذي لا يموت خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومالك كلّ شيء الكائن قبل كل شيء الباقي بعد فناء كلّ شيء وهو على كلّ شيء قدير فهذه معرفة اللّه تعالى بالذكر . وأما المعرفة بالتفكر والنظر بالقلوب والتميز بالألباب في أعظم قدرة اللّه تعالى وارتفاعه وعلوه وبقائه وانفاذ أمره وبيان حكمته وحياطة علمه وكثرة خلقه وسعة رزقه وقرب رحمته وجود كرمه وحسن رأفته وجميل ستره وطيب عافيته فللّه الحمد على ذلك كثيرا . قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟ . قال العالم : الايمان باللّه ورسوله وبما جاء به من عند اللّه تعالى ، واتّق في جوارحك حتى لا تستعملها في شيء ممّا يكرهه منك خالقها ، فتكون قد امنتها من عذاب النار ، ومن الايمان أن تأمن الناس من يدك ولسانك وظنون قلبك ، فإذا فعلت ذلك فأنت مؤمن ، ومن الايمان الرضاء بالقضاء والشكر على العطاء والصبر على البلاء ، ومن الايمان المحافظة على الفرايض والمبادرة بالنوافل والفضائل . ومن الايمان تعلم أن اللّه حق ، وقوله حق والجنّة حق ، والنار حق ، والبعث حق ، والثواب حق ، والحشر حق ، والقيامة والعرض حق ، والحساب حق ، وأن اللّه على كلّ شيء قدير ، وأنك منتقل من هذه الدار الفانية إلى الآخرة الباقية ، مسؤول عن أعمالك ، موقوف على فعالك ، منكشف سرك واعلانك ، فتجد ما فعلت قد احضر إليك وأنت اليوم في دار المهلة ومكان الفسحة ، فلا تذهب أيامك سدى ، واعمل فيها بطاعة ربّك وعلق قلبك في ملكوت إلهك واجعل دليلك الايمان ، وقرينك التفكر وهمتك الحساب ، وسعيك الثواب ، وجليسك الكتاب وأملك الرجاء وسريرتك الوفاء ، وسيرتك الحياء ، وفاقتك الرّحمة ، وعملك الطاعة ، وطلبك النجاة ، وسؤالك المغفرة ، وسبيلك الرضاء ، وخوفك العقاب ، ورغبتك الثواب ، وخلقك العفاف ، وعزيمتك الكفاف ، فمن سلك هذه الطريقة سبق ، ومن تكلم بمثل هذه صدق ، وهي عروة فمن تعلق بها استوثق والحمد للّه ربّ العالمين . قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟ قال العالم : الاسلام ، وهو أن تسلم للّذي آمنت به ، ومن الاسلام أن تسلم أعمال الطاعات ، فإذا علمت ذلك سلمت من النّار ، وسلم الخلق منك ويكون إسلامك بالظاهر والباطن حتى لا يخالف قولك فعلك ولا فعلك يخالف قولك ، فيكون ظاهرك باطنك وباطنك