تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
واجتمعت الخلايق للموقف المتضايق فهنالك الفزع العظيم ، والخطب الجسيم كل انسان يقول نفسي نفسي لا يسأل ذلك اليوم والد عن ولده ولا أخ عن أخيه كل نفس بما كسبت رهينة . فلما انتهى الكلام منهما إلى ههنا عرف العالم أن الوافد حسن المعرفة جيّد الفطنة صحيح اليقين متين الورع كثير الفزع أقبل عليه العالم بوجهه وقال : أيّها الوافد الصّالح والتاجر الرّابح والخليل الصّالح : اسأل عما بدا لك يرحمك اللّه . فقال الوافد أيها العالم الحكيم الناطق الشفيق الصادق انشر عليّ من مكنون حكمتك علما ، وزدني من معرفتك نورا ما ازداد به فهما ، فلعل الذي على قلبي أن يخلص ببركتك وينجلي عني بجود صحبتك . قال العالم : اجر لك الصّلاح ، ووفق لك الفلاح ، وتيسّر لك النجاح ، وعليك بسبعة أشياء ألزمها : أوّلها المعرفة بالمعروف فهو اللّه عز وجل والايمان والاسلام والطاعة والعلم والعمل ثمّ تعرف المعرفة ما هي إذا صرت عارفا وزدت المعرفة إلى المعرفة فلحقت من المعرفة ما قدرت عليه ، ثم تعرف الايمان ما هو وكيف هو حتى إذا صرت مؤمنا أسلمت للذي آمنت به حتى إذا صرت مسلما احتجت أن تطيع للذي أسلمت إليه حتى إذا صرت مطيعا احتجت إلى علم تطيع به ، وتعرف العلم ما هو وكيف هو حتى إذا صرت عالما احتجت أن تعمل بما علمت ، ثم تعرف العلم ما هو وكيف هو وما ثمرته وإلى ما يوصلك وما عايدت نفعه . قال الوافد : أيّها العالم بين لي العمل ( المعرفة خ ) ما هو وكيف هو ؟ قال العالم : أما ما هو فإصابة الأشياء بأعيانها ووضعها في مواضعها ومعرفتها على حقايقها ؛ وأما كيف هو فإصابة المعاني فما من شيء إلا له معنا يرجع إليه فإصابة الأشياء بالنظر والتميز والسمع والبصر ، وإصابة المعاني بالتفكر والاعتبار والعقل . قال الوافد : فما معرفة اللّه تعالى ؟ قال العالم : هو أن تعلم أن اللّه سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا يحوي به مكان ، ولا يحيط به علم ، ولا يتوهمه جنان ، ولا يحويه الفوق ، ولا التحت ، ولا الخلف ، ولا الأمام ، ولا اليمين ، ولا الشمال ، فتعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، لا يعلم كيف هو إلا هو ، فتعرفه بهذه المعرفة فيما تفهّمه قلبك ، وذلك قوله في محكم كتابه العزيز لنبيّه ( ص )
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
« 1 » ، فتقول كما أمرت وتعمل كما علمت
هامش
( 1 ) سورة الإخلاص : الآية 1 - 4