بمن ناصيتك بيده ، ورزقك عليه ، ورخاك وشدتك وعافيتك وبلواك ومحياك ومماتك ودنياك وآخرتك ، فترجو للشدة كما ترجو للرخاء ، وترجو للآخرة كما ترجو للدّنيا ، وتخاف ربّك كما تخاف من الموت والفقر .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟ قال : الرغبة تعرف ما هي وكيف هي .
قال : بيّنها لي يرحمك اللّه تعالى ، قال : إن الرغبة في التطوع بعد الوفاء بما أمرك اللّه به فانّك إذا رغبت ازددت الخير خيرا ، وان لم ترغب لم تزدد وأنت متطوع ولست براغب ، وأما كيف هي فالتضرع عند الدعاء ، فإنك إذا تضرعت ولم ترغب كان دعاؤك بلا رغبة ، وذلك قوله عز وجلّ :
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
« 1 » فمن خاف وتضرع رحمه اللّه وأجابه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : وراء ذلك اليقين ، قال : وما اليقين ، قال : صاحب اليقين يعلم أن العلم متّصل بالنية ، فكلما حضر قلبه علم أن اللّه قد علمه فيلحقه الخوف ويسارع بالتوبة قبل أن يعمل الذنب ، فتوبته مقبولة ، وذنبه غير مكتوب ، وإنّما يكتب ذنبه المواظب عليه ولم يتب منه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : الاخلاص في الدين ، وهو في القول والعمل والاعتقاد قول خير وعمل خير واعتقاد خير أما سمعت قال اللّه تعالى :
أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ
« 2 » قال : بين لي ذلك يرحمك اللّه ، قال العالم : هو أن يعلم العبد أنه بين يدي اللّه عز وجلّ ، يراه ويسمع كلامه ويعلم ما في نفسه ويجعله أمله ، ويكون الطاعة عمله ، ولا يغيب مشاهدته زالت الدنيا من عينه وتعلقت الآخرة في قلبه ، فقيامه طاعة ، وقوله تفقه وسكوته فكرة ، قد قطع قوله بعمله ، وقطع أمله بأجله ، وخرج من الشك إلى اليقين ، فقلبه وجل ، ودمعه عجل ، وصوته ضعيف ، وكلامه لطيف ، وثقله خفيف ، وحركته احسان ، وتقلبه ايمان ، وسكوته أمان .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 55
( 2 ) سورة الزمر : الآية 3