وجهين شيء لم تعرفه ، وشيء قد عرفته ، تعرف مالك وما عليك فيما نهاك اللّه عنه ، فعليك فيما قد علمت التوبة والرّجوع والإنابة والتضرع ، ولك في ذلك المعرفة فإنك إذا خفت من ربك تبت إليه وتعلم الايمان ما هو وكيف هو .
قال الوافد : ما هو يرحمك اللّه ؟
قال العالم : أما « ماظ » هو فمعرفة الذنب وشهادة الرّب وأما كيف هو فوجل القلب ودمع العين فإن لم تكن كذلك فلست بخايف فيما قد علمت ، وأما الذي لم تعلمه فعليك منه الرهبة والتقوى وإذا اتقيت اللّه لم يجدك حيث نهاك وإذا خفته لم يفقدك حيث أمرك ، فان اللّه يراك ويعلم سرّك ويسمع كلامك ، فهنالك ترهبه وتخافه حتى كأنك تراه .
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : وراء ذلك التقوى ، قال : وما التقوى ؟ قال : تحفظ لسانك وعينك ويدك وفرجك وظنون قلبك ، فلا تنظر بعينك إلى ما لا يحل لك فانّ النظرة الواحدة تزرع في القلب الشهوة وهي سهم من أسهم إبليس ، وتحفظ لسانك عن الكلام فيما لا يعنيك فان اللسان سبع إذا أطلقته أكلك ، وهلاكك في طرف لسانك فلا تقل ما لا يحل لك فإن لم تفعل ذلك فما اتقيت اللّه تعالى ، ولك في ذلك المغفرة والرحمة وذلك قوله سبحانه وتعالى
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
. « 1 »
قال الوافد : فما وراء ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : القيام بما أمرك اللّه به حتى تعرف عملك وتضع كلّ شيء منك في موضعه ، وتعرف خطأه وصوابه ويكون العمل تابعا للعلم مطيعا له ويكون فيه الرّغبة واليقين والاخلاص والمحبة والحياء والاستقامة ، وتعرف الرّجاء ما هو وكيف هو ومن ترجو .
قال الوافد : بين لي ذلك يرحمك اللّه ؟
قال العالم : هو أن يكون رجاك اللّه في كل أمورك لدنياك وآخرتك ولا يكون رجاك للناس أكثر من رجاك للّه فتحبط أعمالك ويبطل أجرك فانّ اللّه تعالى يقول وقوله الحق :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
« 2 » فتقوم كما أمرك اللّه سبحانه وتعالى به ظاهرا وباطنا ، فان الظاهر الجلي يدلك على الباطن الخفي ، ويكون قلبك متعلقا
هامش
( 1 ) سورة طه : الآية 82 .
( 2 ) سورة الكهف : الآية 110 .