تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
قال : أعرف بما عرف به نفسه من الوحدانية ولا أشبهه بشيء من البرية لا يحدّ بالحدود ولا يوصف بالصّفات إذ هو سبحانه وتعالى خالق كلّ صفة وموصوفات . قال : فكيف تعرف دينك ؟ قال الوافد : أعرفه بالشريعة التي سنّها رسول اللّه ( ص ) وبالمحكم من التنزيل وشهادة علانية العقول وهي على ثلاثة وجوه واعتقادها وسبيلها واضح وطالبها رابح قد بهر دليلها وشهد لها بالصدق من ذوي العلم عقولها فتذكرنا مؤنة الطلب بهذا الاحتجاج وقطع عنا علايق الاعوجاج حتى ما بقي في ذلك ميل ولا اختلاج لقصدت عند ذلك بينة صحيحة حتى عرفت الأصل والفرع فوجدت ذلك واضحا مبيّنا وفي كتبهم مشروحا معيّنا كلاما مبرهنا قد حملوا رضاء اللّه عنهم عبو ذلك ونقله حافظين فيه الأمانة وأوضحوا فرع ذلك وأصله مجتنبين الغش والخيانة قد شيدوا بنيانه وعظموا سلطانه واثبتوا في العقول برهانه ؛ فليس لأحد من بعدهم مطلب ، ولا لمسترشد من دونهم مذهب ، ولا عاقل في غير مذهبهم يرغب . فقال : فكيف تعرف دنياك ؟ قال الوافد : أعرف فناها وتقلبها في غرورها وخدعها وخزيتها ونظرت وميزت فإذا الدنيا تغر طالبها وتقتل صاحبها وتفرق ما جمع وتغيّر ما صنع وعرفت أنها تفعل بي مثل ما فعلت بالأولين . قال : فكيف عرفت الآخرة ؟ قال : عرفت أنها دار باقية فيها الحساب والعقاب والمجازاة والثواب يبلغ أمدها ويطيل أبدها فريق في الجنة وفريق في السعير ، فمن كان في أصحاب الجنة فشاب لا يكبر ، وغني لا يفتقر وقادر لا يعجز وعزيز لا يذلّ وحيّ لا يموت في دار القرار في نعيم وسرور وقصور وحور راضية وقطوف دانية ، وأنهار جارية وملك لا يزول ونعيم لا تحصى صفته ، ومن كان من أهل النار فحمل ثقيل ، ومقام طويل ، وبكاء وعويل ، وخشوع ضفيف ، وقلب خفيف ، في دار جهد وبلية وهمّ وغمّ ورزيّة ، وعذاب لا ينقطع حيث السلاسل والاغلال ، وقيود الاكبال ، والضرب والصياح والعوال ، وأكل الزقوم وشرب الحميم ، ونفحات السموم وظهور المكتوم ، ولباس القطران ، وزفرات النيران ، والخزي والهوان داخلها محسور وواردها مضرور ، وساكنها مدحور وصاحبها مقهور واللابث فيها مهجور . قال العالم : كيف يصنع من وعد بهذين الدارين إن نظر إلى النار ونظر ما وعد اللّه فيها لأهلها ، ثم ينظر إلى الجنة وقصورها وما أوعد اللّه فيها من النعيم المقيم والفواكه والأزواج من
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 488 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى