على الوسايط بين الخلق وبين اللّه فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد عرفوا ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته ولا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لا يشاهدونه ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه ( ص ) إذ كانت دلايله أوضح من أن يخفى وأشهر من أن لا يظهر لهم .
وكذلك عوام امّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر والعصبيّة الشديدة والتكالب على حطام الدنيا وحرامها وإهلاك من يتعصّبون عليه وإن كان لا صلاح أمره مستحقا ، وبالترفق بالبر والاحسان على من تعصّبوا له وإن كان للأذلال والإهانة مستحقا ، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة علمائهم .
فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه ، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فان من ركب القبايح والفواحش مراكب فسقة العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا ولا كرامة لهم » « 1 » .
الباب الثالث في معرفة النفس
في معرفة النفس ونعني بها الجوهر اللطيف الملكوتي الذي يستخدم هذا البدن الجسماني في حاجاته مسخّرا له تسخير المولى لخدمه ، وهو ذات الانسان وحقيقته العالمة بالمعلومات ، وله في هذا البدن جنود جسمانية هي الأعضاء ، وجنود روحانية هي القوى قال اللّه تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
« 2 » وقال نبينا ( ص ) : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 3 » ، وقال « أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه » « 4 » وقد يسمى هذا الجوهر الملكوتي بالرّوح لتوقف حياة البدن عليه ، وبالقلب لتقلبه في الخواطر ، وبالعقل لاكتسابه العلوم واتصافه بالمدركات وقد تستعمل هذه الالفاظ الأربعة في معان اخر تعرف بالقرائن .
ثم النفس توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها ، فإذا سكنت تحت الأوامر والنواهي وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال اللّه
هامش
( 1 ) الاحتجاج : ج 2 ص 262 - 263 .
( 2 ) سورة الذاريات : آية 21 .
( 3 ) مصباح الشريعة : ص 13 .
( 4 ) روضة الواعظين : ص 20 .