ومنه قوله عزّ وجل :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » وهو نوع من الكلام باطنا من دون حرف وصوت ، ومنه التّعبير عن الصّراط بالجسر الممدود بين الحنة والنار وعن الميزان بذي الكفتين إلى غير ذلك .
ومنها مثل ما يدرك الانسان الشيء جملة ثم يدركه تفصيلا بالتحقيق والذوق بأن يصير حالا ملابسا له فيتفاوت العلمان ، فيكون الأول كالقشر والثاني كاللّب والأول كالظاهر والاخر كالباطن ، وذلك كما يتمثل للانسان في عينه شخص في الظلمة أو على البعد فيحصل له نوع علم فإذا رآه بالقرب أو بعد زوال الظلمة أدرك تفرقة بينهما ولا يكون الأخير ضد الأول ، بل هو استكمال له فكذلك في العلم والايمان والتصديق ومن هذا القبيل أكثر العقايد .
الفصل الخامس في تقليد العوام للعلماء
في تفسير الامام أبي محمّد العسكري ( ع ) : « في قوله تعالى :
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ
« 2 » قال رجل للصادق ( ع ) « إذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره فكيف ذمّهم اللّه بتقليدهم والقبول من علمائهم ؟ وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلّدون علمائهم ، فإذا لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم .
فقال ( ع ) : بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة ، فامّا من حيث استووا فان اللّه قد ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامهم ، وأما من حيث افترقوا فلا قال : بين لي يا بن رسول اللّه :
قال ( ع ) : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصّراح وبأكل الحرام والرّشى وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم وأنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبّوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم وعرفوهم يقارفون المحرمات واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل « مثل خ ل » ما يفعلونه فهو فاسق ، ولا يجوز أن يصدق على اللّه ولا
هامش
( 1 ) سورة النحل : آية 40 .
( 2 ) سورة البقرة : آية 78 .