عليك ما ينقض هذا الأصل فلا تقبله وجرّد باطنك لذلك ترى بركاته وتفوز مع الفائزين » « 1 » .
الفصل الرابع في الاسرار التي يكتمها العلماء
اعلم أن الأسرار التي يكتمها العلماء « عن خ ل » من العوام ، منها ما يقصر عن إدراكه أفهامهم ولا يبلغ إليه عقولهم وذلك كالرّوح فإنه من عالم الملكوت ، والعوام لم يتجاوز علمهم عن عالم الملك فإذا أفشوه إليهم يصير فتنة لهم قال اللّه تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 2 » .
ومنها ما هو مفهوم في نفسه لا يكل الفهم عنه ولكن ذكره يضر بأكثر المستمعين وسرّ القدر من هذا القبيل ولهذا منع من إفشائه ، ولا استبعاد في أن يكون ذكر بعض الحقايق مضرا ببعض الخلق كما يضر نور الشمس بابصار الخفافيش ، وكما يضرّ ريح الورد بالجعل .
ومنها ما يكون بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر ولكن يكنى عنه على سبيل الاستعارة والرّمز ليكون وقعه في قلب المستمع أغلب وله مصلحة في أن يعظم وقع ذلك الأمر في قلبه كما لو قال قائل : رأيت فلانا يقلّد الدّر في أعناق الخنازير وكنى به عن افشاء العلم وبث الحكمة إلى غير أهلها ، فالمستمع قد يسبق إلى فهمه ظاهره والمحقق إذا نظر وعلم أن ذلك الانسان لم يكن معه درّ ولا كان في موضعه خنزير تفطن لدرك السر والباطن فيتفاوت الناس بذلك .
وكذلك ما ورد في الحديث « أما يخشى الذي رفع رأسه قبل الامام أن يحول اللّه رأسه رأس حمار ؟ » « 3 » وذلك من حيث الصّوره لم يكن ولا يكون ولكن من حيث المعنى وهو كائن إذ حقيقة الحمار وخاصيته هي البلادة والحمق وهو المقصود دون الشكل الذي هو قالب المعنى إذ من غاية الحمق أن يجمع بين الاقتداء وبين التقدم فانّهما متناقضان ، وهذا النوع يرجع إلى التعبير عن المعنى بالصّورة التي تتضمن عين المعنى أو مثله .
ومن هذا القبيل قوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
« 4 » فإنه تمثيل لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها بأمر المطاع وإجابة المطيع والطائع .
هامش
( 1 ) مصباح الشريعة : ص 59 .
( 2 ) سورة الإسراء ص 85 .
( 3 ) إحياء علوم الدين : ج 1 ص 94 .
( 4 ) سورة فصلت : آية 11 .