تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
يدعي لنفسه الرّبوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصيص والاستبداد بالأمور كلها والتفرد بالرّبانية والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلّها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقايق الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا قرن إلى الجهل والإحاطة بجميع الحقايق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلايق من أوصاف الربوبية وفي الانسان حرص على ذلك . ومن حيث يختص عن البهايم بالتميز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريرا يستعمل التميز في استنباط وجوه الحيل والشّر ويتوصّل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ، ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين . وكل انسان ففيه شوب من هذه الأصول الأربعة أعني الربانية والشيطانية والسبعية والبهيمية وكل ذلك مجموع في القلب وكان المجموع في إهاب الانسان خنزير ، وكلب ، وشيطان ، وحكيم . فالخنزير هو الشهوة فإنه لم يكن الخنزير مذموما للونه وشكله وصرته ، بل لجشعه وكلبه وحرصه . والكلب هو الغضب فان السبع الضاري أو الكلب العقور ليسا كلبا ولا سبعا باعتبار الصورة واللون والشكل بل روح معنى السّبعية الضراوة والعدوان والعقر ، وفي باطن الانسان ضراوة السّبع وغضبه وحرص الخنزير وشبعه « شبقه خ » فالخنزير يدعو بالشرة إلى الفحشاء والمنكر ، والسّبع يدعو بالغضب إلى الظلم والايذاء . والشيطان لا يزال يهيّج شهوة الخنزير وغيظ السّبع ويغري أحدهما بالاخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه . والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه ، إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكل مقهورا تحت سياسته فان فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم ، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضي الكلب فيكون دائما في عبادة كلب أو خنزير ، وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر هممهم البطن والفرج ومناقشة « منافسة خ » الأعداء .