ثم الصّبي إذا وقع نشؤه على هذه العقايد إن اشتغل بكسب الدّنيا لم ينفتح له غيرها ، ولكنه سلم في الآخرة باعتقاد الحق إذ لم يكلف الشرع العرب أكثر من التّصديق الجزم بظاهر هذه العقايد ، فامّا البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوا أصلا .
وإن إراد أن يكون من سالكي طريق الآخرة وكان أهلا لذلك وساعده التوفيق حتّى اشتغل بالعمل ولازم التقوى ونهى النفس عن الهوى واشتغل بالرّياضة والمجاهدة ، انفتح له أبواب « من خ ل » الهداية ويكشف عن حقايق هذه العقيدة بنور إلهي يقذف في قلبه بسبب المجاهدة تحقيقا لوعده تعالى إذ قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 1 » وهو الجوهر النفيس الذي هو غاية مقصد الصّديقين والمقرّبين ، وله درجات بحسب درجات المجاهدة ودرجات الباطن في النّظافة والطهارة عما سوى اللّه وفي الاستضاءة بنور اليقين .
وذلك كتفاوت الخلق في أسرار الطبّ والفقه وسائر العلوم ، إذ تختلف ذلك باختلاف الاجتهاد واختلاف الفطر في الذكاء والفطنة ، فكما لا تنحصر تلك الدّرجات فكذلك هذه ، وأما تفصيل متعلقات العقايد للخواص وكيفية المجاهدة لهم فقد أشرنا إليهما في الفصل الثالث من الباب الأول .
الفصل الثالث أقل ما يجب اعتقاده
قال حجة الفرقة الناجية نصير الحق والدّين محمّد بن الحسن الطوسي طاب ثراه : أقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما ترجمه قول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ( ص ) ثم إذا صدّق الرّسول فينبغي أن يصدّقه في صفات اللّه واليوم الآخر وتعيين الامام المعصوم ، كل ذلك بما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد وبرهان .
أمّا في صفات اللّه فبانّه حيّ قادر عالم مريد متكلم ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير ، وأما في الآخرة فبالايمان بالجنة والنار والصراط والميزان والحساب والشفاعة وغيرها ، ولا يجب عليه أن يبحث عن حقيقة الصّفات وأنّ الكلام والعلم وغيرهما حادث أو قديم ، بل لو لم تخطر هذه بباله ومات مات مؤمنا ، فان غلب على قلبه شك أو إشكال فان أمكن إزالته بكلام قريب
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : آية 69 .