أن الجنة صورة رحمة اللّه ، وقد ثبت أن رحمة اللّه ذاتية واسعة كل شيء والغضب عارضي وكذا الخيرات صادرة بالذات والشرور واقعة بالعرض ، فعلى هذا لا بدّ أن تكون الجنة موجودة بالذات وجهنم مقدّرة بالعرض والتبع .
وأصل جهنم من الدّنيا فان مادتها هي تعلق النفس بأمور الدنيا من حيث هي الدّنيا ، وصورتها هي صورة الهيئات المؤلمة والاعدام والنقائص فهي ليست بدار خالصة بل هي مكدّرة مشوبة بهذا العالم ، فكأنما هي هذا العالم انساق إلى الآخرة بسائق القهرمان وزمان التسخير .
وفي الكافي عن النبي ( ص ) ( أخبرني الروح الأمين إن اللّه لا إله غيره إذا وقف الخلائق وجمع الأولين والآخرين أتي بجهنم تقاد بألف زمام أخذ بكل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد ، ولها هدّة وتحطم وزفير وشهيق أنها لتزفر الزفرة فلو لا أن اللّه تعالى أخرها إلى الحساب لأهلكت الجميع ، ثمّ يخرج منها عنق يحيط بالخلائق البر منهم والفاجر ، فما خلق اللّه عبدا من عباده ملك ولا نبي إلا وينادي يا ربّ نفسي نفسي وأنت تقول : يا ربّ امّتي أمتي ) « 1 » الحديث .
وإنما تقاد بألف زمام لأنها عالم التضاد فلا يجتمع أجزاؤها إلا بأزمة التسخير بأيدي ملائكة غلاظ شداد .
كلمة فيها إشارة إلى الأعراف
الأعراف إن كان اشتقاقها من المعرفة فالأنبياء والأولياء هم العارفون والمعروفون ، والمعروفون للنّاس في هذه النشأة ، وإن كان من العرف بمعنى المكان العالي المرتفع فهم الذين من فرط معرفتهم وشدة بصيرتهم كأنهم في مكان عال مرتفع ينظرون إلى ساير الناس في درجاتهم ودركاتهم ، ويميّزون السّعداء عن الأشقياء على معرفة منهم بهم وهم بعد في هذه النشأة كما أشار إليه أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : ( اقسم بربّ العرش العظيم لو شئت أخبرتكم بآبائكم وأسلافكم أين كانوا وممن كانوا وأين هم الآن وما صاروا إليه ) « 2 » .
عن الأصبغ بن نباتة قال : ( كنت عند أمير المؤمنين ( ع ) جالسا فجاءه رجل فقال له : يا
هامش
( 1 ) الكافي : ج 8 ص 312 ح 486
( 2 ) المحجة : ج 4 ص 202 .