وانته عما نهيتك عنه أجعلك مثلي حيّا لا تموت ، أنا الذي أقول لشيء كن فيكون أطعني فيما أمرتك به أجعلك مثلي إذا قلت لشيء كن فيكون ) « 1 » ، فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلا ويكون ، وفيه ( أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) « 2 » ، وفي القرآن :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 3 » .
والنار ناران : نار روحانية تطلع على الأفئدة للمنافقين والمتكبرين والمكذبين وهي إنما تنشأ بوسيلة عالم العقل بسبب فقدان المعارف والكمالات العقلية إما بانكارها وجحودها أو بالحرمان عنها بعد إدراكها والشوق إليها بحسب حصول أضدادها بالجهل المركب وفقدان القوة الهيولانية وحصول فعليّة الشيطنة والاعوجاج ورسوخ العقائد الباطلة في الوهم وهي مؤلمة جدا واما النقص بحسب الغريزة فلا ألم بسببه بل هي بمنزلة الموت والزمانة في الأعضاء من غير شعور بمؤلم وكلاهما مشتركان في عدم الانجبار في الآخرة إلا أن البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة تبرّء ، « بتراء خ » فالعذاب لهؤلاء عظيم ولأولئك أليم .
ونار محسوسة لهم ولأهل الكبائر على قدر أعمالهم وهي إنّما تنشأ بتبعيّة هذه النشأة الدنياوية بسبب فقدان متاعها بعد حصول الألف له والتعلق به والاخلاد إليه وارتكاب الأعمال السّيئة والأقوال الكاذبة والأخلاق الردّية فان النفس بسبب ذلك تنشئ في عالمها صور مؤذية مناسبة لها من الحيات والعقارب والسّموم واليحموم وغيرها فتأذى بها ولا تقدر على عدم إنشائها .
كما أنها إذا أصابتها في الدّنيا مصيبة فكلما يخطر ببالها اغتمت بها وتأذّت ولا يمكنها أن تخطرها ولكنها في الدّنيا تغفل عنها أحيانا بسبب الشواغل بخلاف الآخرة فانّها لا تغفل عنها لعدم الشاغل وصفاء المحل وقوته وصيرورة القوى كلها قوة واحدة ذات تخيّل فلا يزال يريد ما لا يجده ويشتهي ما يضرّه ويفعل ما يكره ويختار ما يعذبه ويهرب عمّا يصحبه قائلا : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين .
إلا أن هذه الهيئات لما كانت غريبة عن جوهر النفس وكذا ما يلزمها فلا يبعد أن تزول في مدة من الدهر متفاوتة حسب تفاوت العلائق في رسوخها وضعفها وكثرتها وقلتها إنشاء اللّه فيخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الايمان ،
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ
هامش
( 1 ) عدّة الداعي : ص 310 .
( 2 ) العوالي : ج 4 ص 101 ح 148
( 3 ) سورة السجدة : الآية 17