تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وقال أيضا « لو علم الناس كيف خلق اللّه هذا الخلق لم يلم أحد أحدا » « 1 » . فينبغي أن يقدم إلى الصّبي في أول نشوه وتميزه « خ ل » ترجمة العقايد ليحفظها حفظا ثم لا يزال ينكشف معناه في كبره شيئا فشيئا فابتداؤه الحفظ ، ثم الفهم ، ثم الاعتقاد والايقان والتصديق به وذلك ممّا يحصل في الصّبي بغير برهان ، فمن فضل اللّه على قلب الانسان شرحه في أول نشوه للايمان من غير حاجة إلى حجة وبرهان وكيف ينكر ذلك وجميع عقايد العوام مباديها التلقين المجرد والتعليم المحض . نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو القى إليه ولا بد من تقويته وإثباته في نفس الصّبي والعامي حتّى يترشح به ولا يتزلزل ، وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام ، بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره ، وقراءة الحديث ومعانيه ، ويشتغل بوظائف العبادات . فلا يزال يقوى اعتقاده ويزداد رسوخا بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه ، وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها ، وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها ، وما يسري إليه من مشاهدة الصّالحين ومجالستهم ورؤية سيماهم وسيرتهم وهيئآتهم في الخضوع للّه والخوف منه والاستكانة له ، فيكون أول التلقين كالقاء بذر في الصّدر وتكون هذه الأسباب كالسّقي والتربية له حتّى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيّبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السّماء . وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فان ما يشوشها الجدل أكثر ممّا يمهّده ، وما يفسده أكثر ممّا يصلحه ، والمشاهدة تفكيك في هذا بيانا وناهيك بالعيان برهانا ، فقس عقيدة أهل الصّلاح والتّقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمتجادلين ، فترى اعتقادهم العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدّواعي « الدّواهي خ » والصواعق وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيأه الريح مرّة هكذا ومرّة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليدا كما تلقف نفس الاعتقاد تقليدا ، ولا فرق بين التقليد في تعلم الدليل أو تعلم المدلول فتلقن الدّليل شيء والاستقلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 44 ح 1 .