فإذا رأى المشرك ما كان يستحقه لو كان سعيدا يقول : يا ربّ هذا لي وهو جزاء عملي فيقول اللّه تعالى قد جازيتك على ذلك كله بما أنعمت به عليك من كذا وكذا فيقرر عليه جميع ما أنعمه الممتنة عليه في الدّنيا جزاء لمكارم أخلاقه والقول بها ، والتحريص عليها والعلم بمواقعها دون نعمه الممتنة عليه في خلقه المبتدأة التي ليست بجزاء فيزنها المشرك هنالك بما كشف اللّه له من علم الموازنة فيقول : صدقت فيقول اللّه تعالى له فما نقضت لك من جزائك شيئا والشرك قطع بك من دخول دار الكرامة فتزلّ « فتنزل خ » فيها على موازنة هذه الأعمال ولكن انزل من النار على دركات من نزل على درجات تلك الأعمال فان صاحبها منعه التوحيد أن يكون من أهل هذه الدار فهذا هو من الميراث الذي بين أهل الجنة والنار .
أقول : أشار بالميراث الذي بين الفريقين إلى ما ورد في الآيات والأخبار فقد روي عن النبيّ ( ص ) ( في قوله سبحانه :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ
« 1 » « 2 » قال : ما منكم إلا وله منزلان منزل في الجنّة ومنزل في النار فان مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله ) « 3 » .
إن قيل : كيف يعطى المشرك جزاء معصية الموحّد ويعطى الموحّد جزاء طاعة المشرك ؟
وكيف هذا يليق بالعدل ؟
قلنا : ذلك لأن المشرك بحسب مقتضى طينته الخبيثة إنما يحنّ وينزع إلى المعاصي بطبعه وسجيّته وضميره معقود على فعلها دائما إن تيسّر له لأنه من أهلها كما قال اللّه تعالى فيهم :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
، والأعمال الحسنة غريبة منه ليس صدورها من طينته الأصلية .
وهذا بخلاف المؤمن فإنه بحسب مقتضى طينته الطيبة إنما يرتكب القبيح بكره من عقله ووجل من قلبه وخوف من ربه لأن صدوره منه غريب من سجيّته وطبعه الأصلي إذ ليس هو من أهله ولهذا لا يعاقب عليه بل يثاب بما لم يفعل من الخيرات لحنينه إليها وحرصه عليها وعقد ضميره على فعلها دائما إن تيسّر له فان الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى وإنما ينوي كلما
هامش
( 1 ) الفردوس اسم من أسماء الجنة ؛ وقيل هو اسم لرياض الجنة ، وقيل هو جنة مخصوصة ، وقال الجبائي معنى الوراثة هنا ان الجنة ونعيمها يؤول إليهم من غير اكتساب كما يؤول المال إلى الوارث من غير اكتساب . مجمع البيان « أقول » وأورد « ره » قبل هذا بقليل ما رواه المصنف ( قد ) في المتن عن النبي ( ص ) .
( 2 ) سورة المؤمنون : الآية 10 - 11
( 3 ) سنده ابن ماجة : ج 2 ص 1453 ح 4341