الأحدية ولم يبق لأنوار الكواكب عنده ظهور فهي مطموسة الأنوار مطوية السّماوات بيمين الحقّ
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
« 1 » فالتحق كل فرع إلى أصله وكل مستفيض مع مفيضه وكل مستنير مع المنير وجمع الشمس والقمر واتّحدت النفوس بالأرواح وزالت المباينة بين الأرواح والأشباح ورجعت السّماوات والأرض إلى ما كانتا عليه قبل انفتاقهما من الرتق فعادتا إلى مقام الجمعيّة المعنوية من هذه التفرقة الطبيعية .
وكذا العناصر كلها تنقلب نارا واحدة غير هذه النار الاسطقسيّة وتصير الهيولى كلها بحرا مسجورا ويتصل البرّ بالبحر ويتحد الفوق والتحت وانشقت السماء وانتشرت النجوم وتزول الابعاد والاحجام ويرتفع الحواجز والحوائل ويتحد ذو النور مع النّور والفعل بالفاعل فلم يبق من القوى والحواس تأثر ولا للمحسوس بما هو محسوس عين ولا أثر .
لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
« 2 »
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
« 3 » وتشاهد الجبال كالعهن المنفوش لضعف وجودها ، ثمّ تنسف نسفا
فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
« 4 » « 5 » وتبدّل الأرض غير الأرض فتمدّ مدّ الأديم وتبسط على قدر تسع الخلائق كلها وبرزوا اللّه الواحد القهار والمتخلصون عند ذلك عن البرازخ يتوجهون إلى الحضرة الربوبية
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
« 6 » فعدمت عند ذلك الآجال وزالت السّنون والساعات ، ولا يبقى إلا الواحد القهّار الذي إليه مصير جميع الأمور بلا وقت ولا زمان ولا حيّز ولامكان .
فلا قبل يومئذ ولا بعد ولا هنا ولا هنالك ولا ستر ولا حجاب لان ذلك من لوازم الزمان المقتضي للتغيّر والمكان الموجب للتكثّر فإذا ارتفعا ارتفع الحجاب وجمع الخلائق دفعة واحدة كلمح البصر أو هو أقرب في أوسع مكان ذلك يوم مجموع له النّاس وذلك يوم مشهود ، مع أنه يوم الفصل لامتياز الحق من الباطل فيه بخلاف الدنيا لتشابههما فيها يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ، ليميز اللّه الخبيث من الطيّب ، وهذا الفصل يقتضي ذلك الجمع ، هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 104 .
( 2 ) سورة الانسان : الآية 13
( 3 ) سورة الحاقة : الآية 14
( 4 ) سورة طه : الآية 106 - 107
( 5 ) قال الطبرسي ( قد ) في تفسير آية : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا « الخ » أي ويسألك منكر والبعث عند ذكر القيامة « عن الجبال » ما حالها « فقل » يا محمد « ينسفها ربي نسفا » أي يجعلها بمنزلة الرمل ثمّ يرسل عليها الرياح فيذريها كتذرية الطعام من القشور والتراب فلا يبقى على وجه الأرض منها شيء « فيذرها » أي فيدع أماكنها من الأرض إذا نسفها « قاعا » أي أرضا ملساء « صفصفا » أي أرضا مستوية ليس للجبل فيها أثر« لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً »أي ليس فيها منخفض ولا مرتفع ، قال الحسن : العوج ما انخفض من الأرض والامت ما ارتفع من الروابي وقيل : لا ترى فيها واديا ولا رابية .
( 6 ) سورة يس : الآية 51 .