قال بعض أهل المعرفة : النفخة نفختان نفخة تطفئ النار ونفخة تشعلها فإذا تهيّأت صور الخلائق كانت قبيلة استعدادها كالحشيش المحترق وهو الاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش النار التي كمنت فيه لقبول الاشتعال والصور البرزخيّة كالسرج مشتعلة بالأرواح التي فيها فينفخ إسرافيل نفخة واحدة فتمر على تلك الصّور فتطفئ وتمرّ النفخة التي تليها وهي الأخرى على الصور المستعدة للاشتعال وهي النشأة الأخرى فتشتعل بأرواحها فإذا هم قيام ينظرون .
فتقوم تلك الصّور احياء ناطقة بما ينطقها اللّه ، فمن ناطق بالحمد للّه ، ومن ناطق يقول :
من بعثنا من مرقدنا ، ومن ناطق بالحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ، وكل ينطق بحسب علمه وحاله وما كان عليه ونسي حاله في البرزخ ويتخيّل أن ذلك منام كما يتخيّله المستيقظ وقد كان عند موته وانتقاله إلى البرزخ كالمستيقظ هناك وأن الحياة الدنيا كانت له كالمنام ، وفي الآخرة يعتقد أمر الدنيا والبرزخ أنه منام في منام .
وليعلم أن الرّوح الانساني إنّما أوجده اللّه مدبّرا لصورة طبيعية متبدلة سواء كان في الدّنيا أو في البرزخ أو في الدار الأخرى ، وحيث كان فالصّورة الأولى هي التي اخذ فيها عليه الميثاق ، ثمّ حشر إلى هذه الصورة الحسيّة الدّنياوية فإذا مات يحشر في صورة أخرى ثمّ يحشر في الصّورة التي يسأل فيها ، ثمّ بعد السؤال إلى صورة أخرى في البرزخ ينتقل من طور إلى طور ثمّ يحشر في الصّورة التي يدخل بها الجنّة أو النار .
فإذا دخل الجنّة ورأى فيها من الصور فأيّ صورة رآها واستحسنها يحشر فيها ولا يستحسن منها إلّا ما يناسب صورة التجلي الذي يكون له في المستقبل لأن تلك الصّورة هي كالاستعداد الخاص لذلك التجلي ، ومن هنا يمكنك أن تعرف أنك الآن كذلك تحشر في كل نفس إلى صورة الحال التي أنت عليها ، ولكن يحجبك عن ذلك رؤيتك المعهودة وإن كنت تحسّ بانتقالك في أحوالك ولكن لا تعلم أنها صور لروحك تدخل فيها في كلّ آن وتحشر فيها .
والسرّ فيه أن إدراك الشيء إنما يكون بتصور المدرك بصورة المدرك حين إدراكه له سواء كان بطريق الاحساس أو التخيّل أو التعقل ، وذلك لأن الادراك لا بدّ فيه من نيل المدرك لذات المدرك ، فلو لم يتحدا فنيله إما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه أو بادخاله ايّاه في ذاته وكلاهما محال .
مثنوى
اي برادر تو همين انديشهء * ما بقي تو استخوان وريشهء