فكلما كانت أعمال أهل الجنة في هذه الدنيا أتم اعتدالا وأكثر نضجا من جهة الرياضات الدنيوية والمتاعب البدنية في سبيل اللّه كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النفسانية الأخروية أوفق وأتم صلوحا وأشد تقوية للحياة الباقية وكلما كانت أعمال أهل النار هنا أشد انحرافا عن العدالة ومنهج الشريعة كانت أغذيتهم وفواكههم وأشربتهم النّفسانية الأخروية أشد ايلاما وأكثر تعذيبا .
وكما أن انحراف المزاج عن الاعتدال في الطبيعة يورث حرارة الحمى الشديدة كذلك الانحراف عن العدل في الأخلاق والأعمال والعلوم يورث حرارة نار جهنم وليس لنار جهنم هذا الاشراق والتلألؤ الذي نراه في هذه النار الدنيوية ، لأن هذه ليست نارا محضة بل هي نار ونور وأما النار المحضة فتمامها أنّها محرقة مؤذية نزاعة .
وقد تبين ممّا ذكرنا أن الجنّة والنار انما تنشآن من النفس الانسانية ، وهما حالتان في موضوعها وحالتان لها وتحدثان لكلّ نفس بحدوثها وبلوغها سن التميز وتعمران بأعمالها ومدركاتها وأخلاقها وملكانها التي تحصل لها من أول العمر إلى آخره .
روي ( ان النبيّ ( ص ) كان قاعدا في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا ، فقال النبي ( ص ) : أتعرفون ما هذه الهدة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم ، قال : حجر القي من أعلى جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها فكان وصوله إلى قعرها وسقوطه فيها هذه الهدة فما فرغ من كلامه إلا والصّراخ في دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة فقال ( ص ) :
اللّه أكبر فعلمت علماء الصحابة أن هذا الحجر هو ذلك المنافق وأنه منذ خلقه اللّه يهوي في جهنم وبلغ عمره سبعين سنة ، فلما مات حصل في قعرها ) « 1 » ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ
« 2 » .
وممّا ذكرنا ظهر أيضا أنّ الحنّة والنار مشهودتان لنا اليوم من حيث المحل لا من حيث الصّورة فنحن في إحداهما نتقلب على الحال التي نحن عليها ولا نعلم أننا فيها ، لأنّ الصّورة الدّنيوية تحجبنا عن الأخروية التي تجلّت لنا فيها قال اللّه سبحانه :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
« 3 » وقال عزّ وجلّ :
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
« 4 » وقال جلّ ذكره
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها
هامش
( 1 ) الترغيب والترهيب : ج 4 ص 476 ح 44 ( قريب منه ) . وعلم اليقين : ج 2 ص 1002 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 145 .
( 3 ) سورة التكاثر : الآية 5 - 7 .
( 4 ) سورة العنكبوت : الآية 54