فمن كان في غفلة من حساب سرّه فإذا وقع بصره على ذلك والتفت إلى صفحة باطنة وصحيفة قلبه يقول :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
« 1 » ثمّ من كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين وكانت معلوماته أمورا قدسيّة واعماله صالحة وأخلاقه حسنة فقد أوتي كتابه بيمينه من جهة عليّين ،
إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
« 2 » ، وذلك لأن كتابه من جنس الألواح العالية والصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ، فليس عليه سوى العرض كما قال سبحانه :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
« 3 » إلى قوله :
فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
« 4 » .
ومن كان من الأشقياء المردودين وكانت معلوماته مقصورة على الجرميّات وأعماله خبيثة وأخلاقه سيئة فقد أوتي كتابه بشماله من جهة سجّين ،
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
« 5 » ، وذلك لأن كتابه من جنس الأوراق السفلية والصحائف الحسية القابلة للاحراق ، فلا جرم يعذب بالنار كما قال سبحانه :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ
« 6 » إلى قوله :
لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ
« 7 » .
وامّا من أوتي كتابه وراء ظهره فهم الذين أوتوا الكتاب فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فقيل لهم ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا ؛ فإنه حين نبذه وراء ظهره ظن أن لن يحور فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا ، وميزان كل شيء هو المعيار الذي يعرف به قدر ذلك الشيء « 8 » فميزان يوم القيامة ما يوزن به قدر كل انسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله ،
لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
« 9 » .
وليس ذلك إلا الامام المعصوم ، إذ به وباقتفاء آثاره وترك ذلك والقرب عن طريقته والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم ، فميزان كل امّة نبي تلك الأمة ووصي نبيّها والشريعة التي أتى بها
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ
هامش
( 1 ) سورة الكهف : الآية 49
( 2 ) سورة المطففين : الآية 18 - 21
( 3 ) سورة الحاقة : الآية 19
( 4 ) سورة الحاقة : الآية 24
( 5 ) سورة المطففين : الآية 7 - 10
( 6 ) سورة الحاقة : الآية 25 - 26
( 7 ) سورة الحاقة : الآية 37
( 8 ) قد تقدم من المصنف ( قد ) في الرابعة من التاسعة تفصيل ذلك فراجع .
( 9 ) سورة الجاثية : الآية 22