يَوْمَ الدِّينِ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ
« 1 » يعني في الدنيا ، فان الأمر بالعكس وانها هي الغائبة عنهم وهم فيها من حيث المحل لا من حيث الصّورة .
وقال تعالى :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
« 2 » وفي الحديث النبوي ( ص ) ( الذين يشربون في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطونهم نار جهنم ) « 3 » .
وفي كلام السّجاد ( ع ) ( اعلموا أنّ من خالف أولياء اللّه ودان بغير دين اللّه واستبدّ بأمره دون أمر ولي اللّه كان في نار تلتهب تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها ، فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النّار فاعتبروا يا أولى الابصار واحمدوا اللّه على ما هداكم ) « 4 » .
عن الصّادق ( ع ) ( قال إن رسول اللّه ( ص ) صلّى بالناس الصّبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول اللّه ( ص ) كيف أصبحت يا فلان ؟ قال : أصبحت يا رسول اللّه موقنا ، فعجب رسول اللّه ( ص ) من قوله ، وقال : إنّ لكلّ يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال : إن يقيني يا رسول اللّه هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدّنيا وما فيها حتى كأنّي أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم وكأني أنظر إلى أهل الجنّة يتنعّمون في الجنّة ويتعارفون على الأرائك متكئون ، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذّبون مصطرخون ، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي .
فقال رسول اللّه ( ص ) لأصحابه : هذا عبد نور اللّه قلبه بالايمان ، ثمّ قال له : الزم ما أنت عليه فقال الشاب ادع اللّه لي يا رسول اللّه أن ارزق الشهادة معك ، فدعا رسول اللّه ( ص ) فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي ( ص ) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر « 5 » ( 6 )
هامش
( 1 ) سورة الانفطار : الآية 13 - 16
( 2 ) سورة النساء : الآية 10
( 3 ) الغوالي : ج 2 ص 211 ح 139
( 4 ) تحف العقول : ص 183 .
( 5 ) قال المصنف ( قد ) في الوافي في شرح الحديث : « الخفقة » بالخاء المعجمة والفاء والقاف تحريك الرأس بسبب النعاس « والهاجرة » اشتداد الحر نصف النهار « والعزوف » عن الشيء الزهد فيه « والاصطراخ » الاستغاثة وهذا التنوير الذي أشير به في الحديث انما يحصل بزيادة الايمان وشدة اليقين فإنهما ينتهيان بصاحبهما إلى أن يطلع على حقايق الأشياء محسوساتها ومعقولاتها فينكشف له حجبها واستارها فيعرفها بعين