قال : إذا قبض اللّه الأرواح من هذه الأجسام الطبيعيّة حيث كانت أودعها صورا جسدية هي مجموع هذا القرن النوري فجميع ما يدركه الانسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصّورة التي هو فيها في القرن ، وهو إدراك حقيقي ومن الصور هناك ما هي مقيدة عن التصرف ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم وأرواح الشهداء ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا ومنها ما يتجلى للنائم في هذا الدار في حضرة الخيال التي هي فيه وهو الذي يصدّق رؤياه .
قال : وأعلاه الضيق وأسفله الواسع وكذلك خلقه اللّه فإنه يتصور الحق فمن دونه من العالم ولا شك أن الحقّ يتسع ويتكثر بقدر ما تنزل إلى أن يصل إلى الاشخاص .
وقال : والنفخة نفختان نفخة تطفي النّار ونفخة تشعلها ونفخ في الصور فصعق من في السّماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه ثمّ نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ، فبالنفخة الأولى تموت الأجساد وتحيى الأرواح ، وبالنفخة الثانية يقوم قياما بالحق لا بذواتها ، وأشرقت الأرض بنور ربها ، والنفخة من قبل الحقّ وان كانت واحدة لإحاطته بجميع ما سواه لكنها بالنّسبة إلى الخلائق نفخات متعدّدة حسب تعدّد الاشخاص كما أن الأزمنة والأوقات المتمادية هاهنا إنّما هي ساعة واحدة بالقياس إليه وما أمر الساعة إلا واحدة ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .
قال : إنّ الميت يجد في البرزخ اللذات والآلام التي يستصحبها الصور الحاصلة له من العلم والعمل في الخير والشر وتصير فيه محكمة ذاتية ، فحاله في هذه المدة كحال النطفة في الرّحم والبذر في الأرض ينبت ويثمر ويختلف عليه أطوار النشأة إلى أن يتولد يوم القيامة بالنفخة الاسرافيلية ويفيق من صعقته ويخرج من هيئته المحيطة به كما يخرج الجنين من القرار المكين
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
« 1 » فالموت ابتداء البعث « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الانشقاق : الآية 19 .
( 2 ) قال الطبرسي ( ره ) في مجمع البيان في تفسير سورة الكهف : واختلف في الصور فقيل : هو قرن ينفخ فيه ، وقيل : هو جمع صورة فان اللّه سبحانه يصور الخلق في القبور كما صورهم في أرحام الأمهات ثمّ ينفخ فيهم كم نفخ وهم في أرحام أمهاتهم ؛ وقيل أنه ينفخ إسرافيل الصور ثلاث نفخات : فالنفخة الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق التي يصعق من في السماوات والأرض بها فيموتون ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين فيحشر الناس بها من قبورهم .
وقال العلامة المجلسي ( قد ) في الجزء الثالث من البحار : وأما الصور فيجب الايمان به على ما ورد في النصوص الصريحة وتأويله بأنه جمع للصورة كما مر من الطبرسي وقد سبقه الشيخ المفيد فهو خروج عن ظواهر