ومن كان يؤذن في شهر رمضان قبل الفجر رأى أنه يختم على أفواه الناس وفروجهم وعلى هذا القياس .
وذلك لعلامة خفية بين النشآت ، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وعلموا حقايق ما سمعوه بالمثال وعرفوا أرواح ذلك وعقلوا أن تلك الأمثلة كانت قشورا قال اللّه سبحانه :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
« 1 » « 2 » .
فمثل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضّلال بالزّبد ثمّ نبّه في آخرها فقال
كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ
« 3 » ، فكل ما لا يحتمل فهمك فان القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي كنت في النوم مطالعا بروحك للّوح المحفوظ ليمثل لك بمثال مناسب ، وذلك يحتاج إلى التعبير .
فالتأويل يجري مجرى التعبير ، فالمفسّر يدور على القشر ، ولما كان الناس انما يكلمون على قدر عقولهم ومقاماتهم فما يحاطب به الكل يجب أن يكون للكل فيه نصيب ، فالقشرية من الظاهر بين لا يدركون إلا المعاني القشرية كما أن القشر من الانسان وهو ما في الإهاب « 4 » والبشرة من البدن لا ينال إلا قشر تلك المعاني وهو ما في الجلد والغلاف من السواد والصّور .
وأما روحها وسرّها وحقيقتها فلا يدركها إلا أولو الألباب ، وهم الراسخون في العلم وإلى ذلك أشار النبي ( ص ) في دعائه لبعض أصحابه حيث قال ( اللّهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) « 5 » ولكلّ منهم حظ قلّ أم كثر ، وذوق نقص أو كمل ، ولهم درجات في الترقي إلى أطوارها وأغوارها وأسرارها وأنوارها .
وأما البلوغ للاستيفاء والوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه ولو كان البحر مدادا
هامش
( 1 ) الوادي سفح الجبل العظيم المنخفض الذي يجتمع فيه ماء المطر ، والقدر اقتران الشيء بغيره من غير زيادة ولا نقصان والوزن يزيد وينقص فإذا كان مساويا فهو القدر ؛ والاحتمال رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له ويقال علا صوته على فلان فاحتمله ولم يعصه ، والزبد قذر الغليان وهو خبث الغليان ومنه زبد القدر وزبد السيل ، ورابيا أي طافيا عاليا فوق الماء .
شبه سبحانه الحق والاسلام بالماء الصافي النافع للخلق ، والباطل بالزبد الذاهب باطلا وقيل : انه مثل للقرآن النازل من السماء ثمّ تحتمل القلوب حظها من اليقين والشك على قدرها فالماء مثل اليقين والزبد مثل الشك كذا في مجمع البيان
( 2 ) سورة الرعد : الآية 17
( 3 ) سورة الرعد : الآية 17
( 4 ) الإهاب ككتاب : الجلد ويقال ما لم يدبغ وربما استعير لجلد الانسان . م .
( 5 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 38