العلم ينفتح منه لأهله ألف باب فنقول وباللّه التوفيق .
إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب وقد يتعدّد الصّور والقوالب لحقيقة واحدة ، وانما وضعت الالفاظ للحقائق والأرواح ولوجودهما في القوالب يستعمل الألفاظ فيها على الحقيقة لاتحاد ما بينهما .
مثلا لفظ القلم إنما وضع لآلة نقش الصّور في الألواح من دون ان يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن يكون جسما ، ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ، ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب ، بل مجرد كونه منقوشا فيه ، وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه فإن كان في الوجود شيء يتسطر بواسطته نقش العلوم في ألواح القلوب فاخلق « كذا » به أن يكون هو القلم فان اللّه علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون ان يكون معه ما هو خارج عنه .
وكذلك الميزان مثلا فإنه موضوع لمعيار يعرف بها المقادير وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسماني وبعضها روحاني كما يوزن به الأجرام والأثقال ، مثل ذي الكفتين والقپان وما يجري مجراهما ، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالاسطرلاب ، وما يوزن به الدوائر والقسّى كالفرجار وما يوزن به الأعمدة كالشّاقول ، وما يوزن به الخطوط كالمسطر ، وما يوزن به الشعر كالعروض ، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق ، وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال ، وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة ، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين .
وبالجملة ميزان كل شيء يكون من جنسه ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حده وحقيقته الموجودة فيه ، وعلى هذا القياس كلّ لفظ ومعنى وأنت إذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لمرافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا .
فما من شيء في عالم الحس والشهادة إلا وهو مثال وصورة لأمر روحاني في عالم الملكوت هو روحه المجرد وحقيقته الصرفة وعقول جمهور الناس في الحقيقة أمثلة لعقول الأنبياء والأولياء فليس للأنبياء والأولياء أن يتكلموا معهم إلا بضرب الأمثال لأنهم أمروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم وقدر عقولهم أنهم في النوم بالنسبة إلى تلك النّشأة والنائم لا ينكشف له شيء في الأغلب إلا بمثل .
ولهذا من كان يعلم الحكمة غير أهلها رأى في المنام أنّه يعلق الدّر في أعناق الخنازير ،
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 434
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٤٣٤