فنحى أبا بكر عن المحراب وصلى بالنّاس « 1 » جالسا ، ثمّ اكد في تنفيذ الجيش ولعن المتخلف .
فشهده عمر معتذرا ثمّ حال بينه وبين ما أراد من تأكيد الوصيّة بالكتاب كما رووا في صحاحهم أنّه ( ص ) قال : ائتوني بدوات وبياض اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا ، وفي رواية لأزيل لكم مشكل الأمر واذكر لكم من المستحق لها بعدي ، فقال بعض من حضر ليأتي بالدواة والبياض فقال عمر : دعوا الرّجل فانّه ليهجر ، وفي رواية ليهذي ، حسبنا كتاب اللّه .
قال الراوي فتنازعوا عنده فقال قائل : القول ما قاله النبي ( ص ) فقرّبوا له كتابا يكتب لكم ، وقال قائل : القول ما قاله عمر يعني قوله : دعوه ، فلما كثر اللفظ والاختلاف قال النبي ( ص ) :
قوموا عني لا ينبغي عند نبي تنازع ، وفي رواية عن عمر قال : كان يريد أن يصرّح باسمه فحلت بينه وبين ما أراد ، رواه عنه من هو منهم ، وهو ابن أبي الحديد ، وما هي من الظالمين ببعيد .
ثمّ لما مضى ( ص ) أعرضوا عن تجهيزه والفجيعة به واشتغلوا به بتهيئة أسباب الامارة لأنفسهم ، وتهييج ذوي الأحقاد على سيّد العباد ، الذين كانوا إنّما اسلموا خوفا من سيفه وقتاله بعد أن قتل آباءهم وأبناءهم في مواقف نزاله فحملوا عمود الخلافة ، ونبذوا العقود بعد تلك الحصافة ، وادّعوا التأمر على عباد اللّه ، وتسموا زورا وبهتانا بخلفاء رسول اللّه ، بغير قدم راسخ في علم ولا سبق في فضيلة .
بلى قد شاب قرنهم في الشرك والآثام ، وابيض قودهم في عبادة الأصنام توسّلوا إلى ما ادعوا بالخدائع والحيل والممالات من أرباب الدّخل والدّغل من الذين مردت على النفاق غيوبهم وقالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، ثمّ تنازعوا وتخالفوا وارتفعت أصواتهم ، وقال بعضهم لبعض منّا أمير ومنكم أمير ، وارعدوا وابرقوا وسلوا سيوفهم .
ثمّ بعد ذلك كلّه سمّوه إجماعا وكان أمير المؤمنين ( ع ) مشغولا بتجهيز رسول اللّه ( ص )
هامش
( 1 ) قال ابن أبي جمهور الاحساوي في « المجلى » بعد اثبات ان تقديم أبي بكر للصلاة لم يكن بأمر النبي ( ص ) : ولو سلمنا ان ذلك كان بأمره فخروجه بعده وتنحيته له نص دال على نسخه وابطال حكمه ، ولعله فعل ذلك اظهارا لنقصه بين الناس وأنه لا يصلح لشيء من أمور الدين ، فان من لم يصلح ان يكون اماما للصلاة فبالأولى انه لا يصلح للولاية العامة خصوصا وامامة الصلاة لا يشترط فيها الدالة على مذهبهم فكيف بغيرها مع اشتراطها بالعدالة عندهم ، فدلالة هذا التقديم على تقدير وقوعه على عدم جواز خلافته أظهر من دلالته على ثبوتها .