فقد ثبت أنّ ما ورد في الشرع كاف في الاهتداء إلى سبيل الحق مع ما جبل عليه أهل السّلامة من العقل المطبوع ، فلا حاجة إلى تكلفات المتكلفين على اختلاف طبقاتهم وتشعب آرائهم وتناقض أهوائهم في إبداء الأدلة وأنّها من الحجج على أمور الدين .
فانّهم جمعوا بين الجهل وسوء الأدب ، أما الجهل ، فلكونهم ما عرفوا موضع الدلالة فيما نصبه الحق دليلا ، وأما سوء الأدب فمعارضتهم له سبحانه بما دخلوا فيه ممّا يزعمونه دليلا فجعلوا نظرهم في الدين أتّم في الدلالة ممّا دلّ عليه الحق تعالى عن ذلك ، أفأنزل اللّه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه أم أنزل اللّه دينا تاما فقصّر الرّسول عن تبليغه وأدائه واللّه سبحانه يقول :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 1 » وفيه
تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 2 » .
وقال أمير المؤمنين ( ع ) : « القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تنكشف الظلمات إلا به » « 3 » .
الفصل الأول في الثقلين
لما ثبت أن خير هاد إلى اللّه سبحانه نبيّنا ( ص ) وقد ثبت أنه ترك من بعده لخلافته الثقلين : كتاب اللّه ، وعترته المصطفين وما أوصى امّته في ذلك إلا بالتمسك بهما كما استفاض به الأخبار من طريقي العامة والخاصّة جميعا على اختلاف في اللّفظ واتفاق في المعنى .
وفي رواية « إني تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » « 4 » ومعنى عدم افتراقهما أن علم الكتاب كله هو عند العترة فمن تمسك بهم فقد تمسك بهما جميعا .
وفي رواية « إني امرؤ مقبوض وأوشك أن ادعى فأجيب وقد تركت فيكم الثقلين » « 5 » ، وفي أخرى « الأكبر منهما كتاب اللّه طرف بيد اللّه وطرف بأيديكم فتمسّكوا به لا تزلوا ولا تضلوا ، والأصغر منهما عترتي لا تقتلوهم ولا تقهروهم فانّي سألت اللطيف الخبير أن يردا عليّ الحوض
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : آية 38 .
( 2 ) سورة النحل : آية 89 .
( 3 ) ارشاد القلوب : ص 8 .
( 4 ) اكمال الدين : ج 1 ص 237 .
( 5 ) اكمال الدين : ج 1 ص 236 .