تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
الأوصياء مع ما فطر الناس عليه من المعرفة ، قال اللّه تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 1 » فقد ورد ، ، أن المراد بها المعرفة ، وفي رواية التوحيد ، وفي الحديث النبوي ( ص ) : « كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » « 2 » . والفطرة في الأصل الجبلة ، وهي عبارة عن العقل المطبوع الذي هو شرع من داخل كما أنّ الشرع عقل من خارج ، فان العقل كالسّراج والشّرع كالزّيت يمده فما لم يكن زيت لم يشعل السراج ، وما لم يكن سراج لم يضيء الزيت ، وأيضا العقل كالبصر والشرع كالشعاع ولم ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
« 3 » فسحقا لأقوام عزلوا عقولهم وأعرضوا عن رسلهم واتبعوا أهواءهم فضلوا وأضلوا . ثم إن أعقل العقلاء نبينا ( ص ) وخير الشرايع شرعه وإنّما أرسله اللّه وانزل معه الكتاب ليقوم الناس بالقسط . فصدع بأمر اللّه وهدى الخلق إلى صراط اللّه ، وأرشدهم إلى معرفة صانعهم ويوم اخر هم ببيان وبرهان ناسبا عقولهم ، ونبّههم على أدلة وحجج بلغت إليها أفهامهم وأتى كل طائفة من ذلك بما يصلح لعقله وفهمه من برهان وخطابة وجدال بالتي هي أحسن ومعجزة لمن له المعجزة أبين ليكونوا على بصيرة من أمرهم وليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بينة . ثم أكمل لهم أمور دينهم بحيث لم يحتج امّته إلى آثار السّالفين فيما يهمهم ويعينهم من أمر الدّين وليس لقائل أن يقول : إنّ ثبوت الأنبياء والشرايع يتوقف على ثبوت الصانع وصفاته الكمالية فكيف يعرف الصّانع وصفاته بالأنبياء والشرايع وذلك لأنه لو لم يكن صاحب هذا الكلام والبيان مقبول القول ومعصوم الفعال لكان فيها الحجة من حيث مطابقتها لمقتضى العقول السليمة ، فان براهينه هي المتبعة وبيّناته وحججه هي الملزمة على أن ما يتوقف عليه الشرع من معرفة الصانع وصفاته يجري مجرى الضروريات التي يحكم بها كلّ من له أدنى مسكة ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 4 » .
هامش
( 1 ) سورة الروم : آية 30 . ( 2 ) احياء علوم الدين : ج 3 ص 15 . ( 3 ) سورة المائدة آية 16 . ( 4 ) سورة لقمان : آية 25 .