المطلوب ، وهذا يشبه الجهل بالجهة التي فيها الصّورة المطلوبة ، فهذه هي الأسباب المانعة لادراك الحقائق .
ثمّ إنّ العلوم التي ليست ضروريّة إنّما تحصل في القلب تارة بالاكتساب بطريق الاستدلال والتعلم ، ويسمى اعتبارا واستبصارا ويختص بالعلماء والحكماء ، وتارة بهجومه على القلب كانّه القي فيه من حيث لا يدري سواء كان عقيب طلب وشوق أو لا وسواء كان مع الاطلاع على السّبب الذي استفيد ذلك العلم أولا .
فإنه قد يكون بمشاهدة الملك الملقى في القلب وسماع حديثه ، وقد يكون بمجرّد السماع من غير مشاهدة ، وقد يكون بنفثه في الروع من غير سماع ينكت « 1 » في القلب نكتا أو يلهم الهاما ، وقد يكون ذلك الهجوم في النّوم كما يكون في اليقظة والمشاهدة تختص بالأنبياء والرّسل وخصّ باسم الوحي عرفا ، وقد يكون لغيرهم .
وكما أنّ الحجاب بين المرآة والصّورة يزال تارة بتعمل اليد المتصرّفة ، وتارة لهبوب ريح تحركه فكذلك استفادة العلوم بالقلم الإلهي للانسان قد تكون بقوة فكرته المتصرفة في تجريد الصور عن الغواشي « 2 » والانتقال من بعضها إلى بعض ، وقد تهب رياح الالطاف الإلهية فيكشف الحجب والغواشي عن عين بصيرته فيتجلى فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الاعلى .
فيكون تارة عند المنام ، فيظهر ما سيكون في المستقبل وتارة بتقشع الحجاب بلطف خفيّ من اللّه فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب أسرار الملكوت في اليقظة فربما يدوم وربما يكون كالبرق الخاطف ودوامه في غاية الندور فلم يفارق الالهام وحديث الملك الاكتساب في العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه في طريقة زوال الحجاب وجهته ولم يفارق الوحي الالهام والحديث في شيء من ذلك بل في شدة الوضوح والتورية ومشاهدة الملك المفيد للعلم .
والكل مشتركة في أنها بواسطة الملك الذي هو القلم كما قال عز وجل :
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
« 3 » ولعلّه أشير إلى هذه المراتب الثلاث في قوله سبحانه :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
« 4 » .
هامش
( 1 ) في الحديث : إذا أراد اللّه بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور . النكتة في الشيء كالنقطة . م .
( 2 ) جمع الغاشية : والغاشية كل ما يغطي الشيء .
( 3 ) سورة العلق : الآية 4
( 4 ) سورة الشورى : الآية 51