ولهذا تواصلت الحجج نبيّين ووصيّين من زمان أبينا آدم على نبيّنا وعليه السّلام إلى زمان قائمنا ( ع ) من دون فترة وانقطاع بنص كل سابق على لاحقه باخبار من اللّه سبحانه منهم من ظهر ومنهم من استخفى كما ورد عنهم ( ع ) في أخبار كثيرة .
كلمة فيها إشارة إلى كيفية حصول الوحي وغيره من أنواع العلم في قلوب أهليهما
إنّ حقايق الأشياء كلّها مسطورة في اللوح المحفوظ ، وإنّما تفيض على قلوبنا من ذلك العالم بواسطة القلم العقلي الكاتب في ألواح نفوسنا كما قال عزّ وجلّ
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
« 7 » وقال سبحانه :
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
« 8 » .
وقلب الانسان صالح لأن ينتفش فيه العلوم كلّها وهو كمرآة مستعدة لأن يتجلى فيه حقيقة الحقّ في الأمور كلها من اللوح المحفوظ ، وإنّما خلى عمّا خلى عنه من العلوم إما لنقصان ذاته كقلب الصبي وهو يشبه نقصان صورة المرآة كجوهر الحديد قبل أن يصيقل ، أو لكثرة المعاصي والخبث الذي تراكم عليه من كثرة الشهوات المانعة من صفائه وجلائه ، وهذا يشبه خبث « 1 » المرآة وصداها .
أو لعدو له عن جهة الحقيقة المطلوبة لاستيعاب همّته بتهيئة أسباب المعيشة وتفضيل الاعمال البدنية المانعة من التّأمل في الحضرة الربوبيّة والحقائق الحقّة الإلهية ، فلا ينكشف له إلا ما هو متفكر فيه وهذا يشبه كون المرآة معدولا بها عن جهة الصّورة .
أو لحجاب بينه وبين المطلوب من اعتقاد سبق إليه منذ الصّبا على سبيل التقليد والقبول بحسن الظنّ ، فان ذلك يحول بينه وبين حقايق الحق ويمنع أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التقليد ، وهذا يشبه الحجاب المرسل بين المرآة وبين الصّورة المطلوب رؤيتها .
أو لجهل بالجهة التي يقع فيها العثور على المطلوب فان طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم المطلوب إلا بالتذكر للعلوم التي تناسب مطلوبه حتّى إذا ذكرها ورتبها في نفسه ترتيبا مخصوصا حصل له المطلوب فإذا لم يكن عنده العلوم المناسبة لذلك لم يحصل له
هامش
( 7 ) سورة المجادلة : الآية 22
( 8 ) سورة العلق : الآية 4 - 5
( 1 ) الخبث من الحديد ونحوه ووسخه وصدى الحديد صدءا إذا علاه الجرب .