تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة واللاوقوع أخرى فهذا هو السبب في المحو والاثبات والتردد والحكمة فيها . ثمّ لما كانت أفعال الملائكة المسخّرين وإراداتهم مستهلكة في فعله سبحانه وإرادته إذ لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ومكتوبهم مكتوب اللّه عزّ وجلّ بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأوّل ، جاز أن يوصف اللّه سبحانه بالبداء وكلّ ما يشعر بالتغير والسنوح « 1 » مع تقدّسه سبحانه وتنزهه عن ذلك وقد مرّ نظيره في وصفه عزّ وجلّ بالأسف والمحاربة ونحوهما . وقد ورد في الحديث القدسي : ( ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن ، يكره الموت واكره مساءته له ) « 2 » مع أن اللّه عزّ وجلّ قد قضى عليه الموت قضاء حتما كما قال عزّ وجلّ :
ثُمَّ قَضى أَجَلًا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ
« 3 » وقال :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
« 4 » . قال بعض أهل المعرفة ومن هذه الحقيقة الالهيّة التي كني عنها بالتردد انبعث الترددات الكونية والتحير في النفوس وذلك إنا قد نتردّد في فعل أمر ما هل نفعل أم لا وما زلنا نتردّد حتى يكون أحد الأمور المتردد فيها فذلك الامر الواقع هو الثابت في اللّوح من تلك الأمور . وذلك أن القلم الكاتب في اللوح القدري يكتب أمرا ما وزمان الخاطر ثمّ يمحوه فيزول ذلك الخاطر لأنّ من هذا اللوح إلى النفوس دقايق ممتدّة إليها تحدث بحدوث الكتابة وتنقطع بمحوها فإذا صار الامر ممحوّا كتب غيره فيمتدّ منه رقيقة إلى نفس هذا الشّخص الذي كتب هذا من أجله فيخطر له نقيض الخاطر الأوّل وهكذا إلى أن أراد الحق اثباته فلم يمحه فيفعله الشخص أو يتركه حسب ما تثبت في اللوح والموكل بالمحو ملك كريم والاملاء عليه من الصّفة الالهيّة ، ولو لم يكن الامر كذلك لكانت الأمور كلها حتما مقضيّا وهذا شان الأقلام القدرية . وأما القلم الأعلى فاثبت في اللوح المحفوظ صورة كلّ شيء يجري من هذه الأقلام من محو واثبات ففيه اثبات المحو ومحو المحو ومحو الاثبات على وجه أرفع فصورته مقدسة عن المحو والتغير ، لأن نسبة القلم الاعلى إلى هذه الأقلام كنسبة قوانا العقلية إلى مشاعرنا الخيالية والحسيّة ، ونسبة اللوح المحفوظ إلى هذه الأرواح كنسبة الإرادة الكلية لمطلوب نوعي إلى إرادة جزئية وقعت في طريق تحصيله في ضمن واحد منه .
هامش
( 1 ) سنح سنوحا الامر أو الرأي : عرض المنجد . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 352 ح 7 ( 3 ) سورة الأنعام : الآية 2 ( 4 ) سورة الأعراف : الآية 34
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 392 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى