يظهر السعادة والشقاوة فمنهم شقي وسعيد فظهر أن لا وجه لإسناد الظلم والقبائح إلى اللّه سبحانه لأن هذا الترتيب والتميز من وقوع فريق في طريق اللطف وآخر في طريق القهر من ضروريات الوجود والايجاد ومن مقتضيات الحكمة والعدالة .
ومن هنا قال بعض العلماء ليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا وبعضهم كنّاسا بعيدا ؛ لأن كلا منهما من ضروريات مملكته ، وينسب الظلم إلى اللّه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصّص مع أنّ كلّ منهما ضروري في مقامه وكما أن لكل من المخلوقات استعدادا كليا لقبول الوجود كذلك لكل منها استعداد جزئي لظهور اسم خاصّ فيه وأسماء خاصة واحدا بعد واحد حتى يصل إلى كماله اللائق به والحق سبحانه منزّه عن التقييد بالأسماء والحصر فيها .
وهذا هو السّبب في اختلافات الإضافات المتكررة من طرفي الحق والخلق كما أشار إليه الحسين بن عليّ ( ع ) في دعاء عرفة بقوله : ( إلهي ما أقربك منّي وابعدني عنك الهي ما أرأفك بي فما يحجبني عنك ) « 1 » .
فانّ طريقه وقربه سبحانه بالنسبة إلى الخلق خلاف طريقهم وقربهم بالنسبة إليه ، لأن طريقه وقربه من حيث الوجود والإحاطة والمعية التي لا تفاوت فيها بالنسبة إلى الجميع أصلا كقرب المداد مثلا بالنسبة إلى حروف الكتاب . وطريقهم وقربهم من حيث الظهورات الأسمائية والاستعدادات الذاتية التي هم فيها مختلفون وإن كان مصير الكل إليه سبحانه لعدم تقيده عز وجل باسم دون اسم كما قال سبحانه :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
« 2 » .
فهو سبحانه قريب منهم جميعا غاية القرب دائما ،
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
« 3 » ، وهو معهم اين ما كانوا ، على صراط مستقيم أبدا ،
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 4 » ، ومع هذا فبعضهم بعيد عنه وبعضهم أبعد وأبعد إلى غاية البعد ، وعلى طرق يفضى بها إلى الشقاوة ، وذلك لأنّ قرب كل واحد منهم إليه سبحانه من جهة اسم معيّن هو مقيّد به وهو بعيد عنه من جهة الأسماء الاخر لعدم تحققه بها وشعوره لها .
هامش
( 1 ) الاقبال : ص 348 ص 15
( 2 ) سورة الشورى : الآية 52 - 53 -
( 3 ) سورة البقرة : الآية 186
( 4 ) سورة هود : الآية 56