تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١

كلمة بها ينكشف سر المحو والاثبات واسناد التردد والبداء إلى اللّه تعالى في الروايات .

قد عرفت معنى القضاء والقدر فاعلم أن محل القضاء عالم العقول والأرواح ويسمى باللوح المحفوظ ، لأنه محفوظ عن التغير ، وأم الكتاب لإحاطته بالأشياء اجمالا ، ومحل القدر عالم النفوس والأشباح ويسمى النفس الكلية الفلكية بالكتاب المبين لظهور الأشياء فيها تفصيلا ، والنّفس المنطبعة في الجسم الفلكي بكتاب المحو والاثبات لوقوعهما فيها . قال اللّه تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
« 1 » وقال عزّ وجلّ
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
« 2 » اي ما في العقول والأرواح وما ننزله إلا بقدر معلوم أي إلى النّفوس والأشباح ، وذلك لأن النّفوس المنطبعة الفلكية وقواها التي هي بمنزلة الخيال فينا لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة ، لعدم تناهيها بل انما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا وجملة فجملة مع أسبابها وعللها على نهج مستمر ونظام مستقر . فما يحدث في عالم الكون والفساد إنما هو من لوازم حركات الأفلاك ونتائج بركاتها باذن اللّه عزّ سلطانه فهي تعلم أنه كلّما كان كذا كان كذا فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم وربّما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما توجبه بقية الأسباب لولا ذلك السبب ولم يحصل لها العلم بذلك السّبب بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السّبب ثمّ لما جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأوّل فيمحى عنها نقش الحكم السابق ويثبت حكم الآخر . مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب يقتضي ذلك ولم يحصل لها العلم بتصدقه الذي يأتي به قبيل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدّق بعد ثمّ علمت به وكان موته بتلك الأسباب مشروطا بان لا يتصدّق فيحكم أولا بالموت وثانيا بالبرء ، وذلك لأن شأن النفوس أن يكون توجهها إلى بعض المعلومات واشتغالها به يذهلها عن البعض الآخر . ثمّ إذا كانت الأسباب لوقوع الأمر ولا وقوعه متكافية ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر ولا
هامش
( 1 ) سورة الرعد : الآية 39 . ( 2 ) سورة الحجر : الآية 21
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 391 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى