وغرز « 1 » في طباعنا بالقوة بحيث يترتب عليه الثواب والعقاب فإنه ما لم يخرج من القوة إلى الفعل لم يوجد بعد وإن كان معلوما للّه تعالى فلا يحصل ثمرته وتبعته اللازمتان ، ولهذا قال سبحانه تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
« 2 » .
وأما الثواب والعقاب فهما من لوازم الأعمال الواقعة منّا وثمراتها ولواحق الأمور الموجودة فينا وتبعاتها ليسا يردان علينا من خارج ، فالمجازاة أيضا هو إظهار ما كتب لنا أو علينا في القدر وإبراز ما أودع فينا وغرز في طباعنا بالقوة كما قال سبحانه :
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ
« 3 » .
وأما تفاوت النفوس في ذلك وعدم تساويها في الخيرات والشرور واختلافها في السّعادة والشقاوة فلاختلاف استعداداتها المادية في اللطافة والكثافة والقرب من الاعتدال الحقيقي والبعد عنه وتفاوت الأرواح التي بإزائها في الصفاء والكدرة والقوة والضعف بحسب الفطرة لمناسبة تلك المواد وغير ذلك من الأسباب قال اللّه تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 4 » اي ما يوافق استعداده ، وفي الحديث النبوي ( ص ) ( اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ) « 5 » . حافظ
گرچه وصالش نه بكوشش دهند * آنقدر اي دل كه توانى بكوش
والسرّ فيه إنما هو تقابل الأسماء الإلهية الكمالية الطالبة لمظاهرها المختلفة ، فان من الواجب أن يكون من جملة صفات الملك وخصوصا ملك الملوك صفة لطف وقهر لأنهما من أوصاف الكمال ونعوت الجلال ولا بد لكل من الوصفين من مظهر ولكل منهما فروع وشعب غير متناهية كل منهما يوجب تعلق ارادته سبحانه وقدرته إلى ايجاد مخلوق يدلّ عليه كما مرّ الإشارة إليه فكل من الموجودات مظهر لاسم خاص الهي فلذلك اقتضت رحمة الباري ايجاد المخلوقات كلها لتكون مظاهر لأسمائه الحسنى ومجالي « 6 » لصفاته العليا .
مثلا لما كان منتقما قهارا أوجد المظاهر القهرّية من الجحيم وساكنيها والزقوم ومتناوليها ، ولما كان عفوّا غفارا أوجد مجالي للعفو والغفران كالجنة واهليها والتسنيم « 7 » وشاربيها ومنها
هامش
( 1 ) غرزت الشيء غرزا من باب ضرب : اثبته في الأرض واغرزته بالألف لغة ومنه حديث لف الخرقة للميت :
واغرزها في الموضع الذي لففت فيه الخرقة . م .
( 2 ) سورة محمد : الآية 31
( 3 ) سورة الأنعام : الآية 139
( 4 ) سورة الإسراء : الآية 84
( 5 ) التوحيد : ص 356 ح 3
( 6 ) من جلا جلاء على معنى ظهر ووضح .
( 7 ) قال الراغب في المفردات : قيل هو عين في الجنة رفيعة القدر وفسر بقوله : عينا يشرب بها المقربون وقال الطريحي في مجمع البحرين : وعن ابن عباس وقد سئل عن تسنيم فقال : هذا مما يقول اللّه تعالى :فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.