الخلق الكفر والعصيان من نفسه بل باقتضاء أعيانهم وطلبهم بألسنة استعدادهم أن يجعلهم كافرا أو عاصيا .
فما كانوا في علم اللّه ظهروا في وجوداتهم العينية فليس للحق إلا إفاضة الوجود عليهم وأما الحكم فلهم عليهم فلا يحمدوا إلا أنفسهم ولا يذموا إلا أنفسهم ، وما يبقى للحق إلا حمد إفاضته الوجود ، لأن ذلك له لا لهم .
ولذلك قال :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ
« 1 »
لِلْعَبِيدِ
« 2 » ، أي ما قدّرت عليهم الكفر الذي يشقيهم ثمّ طلبتهم بما ليس في وسعهم أن يأتوا به ، بل ما عاملناهم إلّا بما علمناهم وما علمناهم إلّا بما أعطوا في نفوسهم مما هم عليه فإن كان ظلما فهم الظالمون ، ولذلك قال :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
« 3 » وفي الحديث ( من وجد خيرا فليحمد اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) . شعر
بر من جفا ز بخت من آمد وگرنه يار * حاشا كه رسم لطف وطريق كرم نداشت
فان قلت : فما فائدة قوله سبحانه :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
« 4 » .
قلنا : لو حرف امتناع لامتناع فما شاء إلا ما هو الامر عليه ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل وأي الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في حالة ثبوته في العلم ، فمشيّته إحدى التعلق وهي نسبة تابعة للعلم ، والعلم نسبة تابعة للمعلوم فعدم المشية معلل بعدم إعطاء أعيانهم وهداية الجميع لتفاوت استعداداتهم وعدم قبول بعضها الهداية .
وذلك لأن الاختيار في حق الحق تعارضه وحدانية المشية فنسبته إلى الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحق عليه قال اللّه تعالى :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
« 5 »
هامش
( 1 ) قال في مجمع البيان : أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقه ، بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك ، وانما قال بظلام على وجه المبالغة ردا على من أضاف الظلم اليه ، تعالى وتقدس عن ذلك . وقال في تفسير قوله تعالى :وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ: وانما ذكر لفظ الظلام وهو للتكثير تأكيدا لنفي الظلم عنه
( 2 ) سورة ق : الآية 29
( 3 ) سورة البقرة : الآية 57
( 4 ) سورة النحل : الآية 9
( 5 ) سورة السجدة : الآية 13 .