تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق إلى جذبه أو دفعه وتأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة . وإذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلية انبعث تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات وغيرها فيحصل الفعل ، فاذن إذا تحقّق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية ، وإذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة . فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية ، والمشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي ، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض وليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقق سابقه فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل ولا انصراف القدرة إلى المقدور بعدها ، فنحن مضطرون في الجميع فنحن في عين الاختيار مجبورون فنحن اذن مجبورون على الاختيار . هذه طريقة أهل العقل والنظر القريبة من الافهام ، ونرتقي إلى طريقة أخرى أعلى وأتم هي طريقة أهل المعرفة والشهود ، وهي أقرب إلى التحقيق وإن كان أبعد من الافهام فنقول : إنّ المخلوقات مع تباينها في الذوات والصّفات والأفعال وترتبها في القرب والبعد من الحقّ الأوّل والذات الأحدية تجمعها حقيقة واحدة إلهيّة جامعة لجميع حقائقها وطبقاتها ، لا بمعنى أن المركب من المجموع شيء واحد هو الحق سبحانه حاشا للجناب الإلهي عن وصمة « 1 » الكثرة والتركب ، بل هو هو ، والأشياء أشياء . بل بمعنى أن تلك الحقيقة الالهيّة مع أنّها في غاية البساطة والأحدية تنفذ نورها في أقطار السّماوات والأرضين ، فما من ذرة إلا وهو محيط بها قاهر عليها ظاهر فيها ، كما قال إمام الموحّدين أمير المؤمنين ( ع ) : ( مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة « 2 » ) « 3 » . وكذلك لصفات المخلوقات جهة وحدة إلهية جامعة للجميع ، فان السّمع والبصر وغيرهما من الصّفات في أي موصوف كان هو للّه سبحانه حقيقة ، ولذلك قال :
وَهُوَ السَّمِيعُ
هامش
( 1 ) الوصم : العيب والعار يقال : ما في فلان وصمة اي ليس فيه عيب ونقص م . ( 2 ) المزايلة المفارقة يقال : زايلة مزايلة وزيالا ومنه قوله ( ع ) خالطوا الناس وزايلوهم اي فارقوهم في أفعال لا ترضي اللّه ورسوله م . ( 3 ) نهج البلاغة : ص 40 خطبة 1