وأقوى من اختيار المتكلّم القادر على الكلام ، إن شاء تكلم وإن شاء سكت .
فهو سبحانه إن شاء أفاض فيضه وجوده وفضله وأظهر حكمته ، وإن شاء أمسك ولو أمسك طرفة عين عن الإفاضة والتوجّه لتهافتت « 1 » السّماوات وبادت « 2 » الأفلاك وتساقطت الكواكب وعدمت الأركان ، وهلكت الخلائق ودثر « 3 » العالم دفعة واحدة بلا زمان كما قال عزّ وجلّ :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
« 4 » .
كلمة فيها إشارة إلى تجدد الخلق مع الآنات
العالم بمجموعه متغيّر أبدا وكل متغيّر يتبدّل تعيّنه مع الآنات ، فيوجد في كلّ آن متعين غير المتعين الذي هو في الآن الآخر مع أن العين الواحدة التي تطرأ عليها هذه التغيرات بحالها ، فالعين الواحدة هي الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصور المسمّاة عالما ، ومجموع الصور أعراض متبدّلة في كل آن .
وذلك لأن اللّه سبحانه يتجلى في كلّ نفس بالأسماء الجمالية والجلالية معا ، وكلّ تجلّي يعطي خلقا جديدا ويذهب بخلق ، وهو أحد معنى قوله تعالى عزّ وجلّ
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ
« 5 » وأحد معاني قوله عزّ وجلّ :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 6 » أي كل وقت وقت وأريد به الآن وهو أصغر الأيام وأحد معاني قوله تعالى عزّ وجلّ :
خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
« 7 » .
ففي تفسير عليّ بن إبراهيم المنسوب إلى أهل البيت عليهم السلام ( أي وقتين ابتداء الخلق وانقضائه ) « 8 » ، وقال في قوله تعالى
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ
« 9 » أي ( في وقتين ابداء وانقضاء ) « 10 » ، ( وأما قوله عزّ وجل :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
« 11 » فقال :
هامش
( 1 ) تهافت على الشيء تساقط وتتابع وأكثر استعماله في الشر المنجد .
( 2 ) باد الشيء يبيد بيادا إذا تفرق وتوزع في البيداء أي المفازة قال عز وجل :ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً.
المفردات .
( 3 ) أصل الدثور : الدروس وهو أن تهب الرياح على المنزل فيغتسي رسومه الرمل ويغطيه ومنه دثر الرسم دثورا من باب قعد ، ومثله حادثوا هذه القلوب بذكر اللّه فإنها سريعة الدثور م .
( 4 ) سورة فاطر : الآية 41 .
( 5 ) سورة الرعد : الآية 39 .
( 6 ) سورة الرحمن : الآية 29 .
( 7 ) سورة فصلت : الآية 9
( 8 ) تفسير القمي : ج 2 ص 262
( 9 ) سورة فصلت : الآية 12
( 10 ) تفسير القمي : ج 2 ص 263
( 11 ) سورة فصلت : الآية 10