تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
وقال ( حمته قدمته مطاولة الزمان ، ومنعته عزّته مداخلة المكان ) « 1 » ، وقال : ( لا يقال له : متى ، ولا يضرب له أمد بحتى ) ( 2 ) . وليعلم ان نسبة ذاته تعالى إلى مخلوقاته يمتنع أن يختلف بالمعيّة واللامعيّة وإلا فيكون بالفعل مع بعض وبالقوة مع آخرين ، فيتركب ذاته سبحانه من جهتي فعل وقوة ويتغير صفاته بحسب تغيّر المتجددات المتعاقبات ، تعالى عن ذلك . بل نسبة ذاته التي هي فعلية صرفة وغناء محض من جميع الوجوه إلى الجميع وإن كان من الحوادث الزمانية نسبة واحدة ومعية قيومية ثابتة غير زمانية ولا متغيرة أصلا . والكلّ بفنائه بعد استعداداتها مستغنيات كل في وقته ومحلّه وعلى حسب طاقته ، وإنما فقرها وفقدها ونقصها بالقياس إلى ذواتها وقوابل ذواتها ، وليس هناك إمكان وقوة البتة . فالمكان والمكانيات بأسرها بالنّسبة إلى اللّه تعالى كنقطة واحدة في معية الوجود ، والسّماوات مطويّات بيمينه ، والزمان والزمانيات بآزالها وابادها كان واحد عنده في ذلك جف القلم بما هو كائن ، والموجودات كلها شاهدياتها وغيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة . وإنّما التقدم والتأخر والتجدد والتصرّم « 2 » والحضور والغيبة في هذه كلها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير وإن كان هذا ممّا تستغربه الأوهام ، ويشمئز عنه قاصر الافهام وأما قوله عزّ وجلّ :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
« 3 » فهو كما قال بعض أهل العلم أنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها .

كلمة فيها تمثيل لكيفية صدور العالم من اللّه عز وجل

كلّ موجود تامّ فانّه يفيض على ما دونه ممّا في جوهريّته وصورته المقوّمة لذاته ما لو أمسك عنه لبطل ذلك الفيض ، مثال ذلك النار ، فإنها تفيض على ما حولها من الأجسام
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 232 خطبة 163 . ( 2 ) تصرمت وانصرمت السنة : انقضت وتصرم الرجل وانصرم : تقطع وانقطع المنجد ( 3 ) سورة الرحمن : الآية 29 .
الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 370 | الفيض الكاشاني / محسن عقيلى