تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
التسخين والحرارة ، وهي جوهريتها والصورة المقومة لها ، ومتى لم تتواتر منها الحرارة متّصلا عدمت وبطلت ، إذ يضمحلّ الأولى منها فالأولى . وهكذا يفيض من الماء الرطوبة والبلل على الأجسام المجاورة له ، والرطوبة هي جوهرية الماء والصورة المقومة لذاته ، فما لم تكن متّصلة إلى المحلّ بطلت عنه واضمحلّت . وهكذا يفيض من الشّمس النور والضياء على الأرض والهواء ، وهو جوهريّ لها فإذا حجز « 1 » بينهما حاجز اضمحل الضوء وبطل ، وهكذا تفيض من الرّوح الحياة على البدن وهي جوهرية لها فإذا فارقت الروح البدن بطلت حياة الجسد من ساعته واضمحلّت . وذلك لأن الفيض ما دام متواترا متصلا دائما دام المفاض فان انقطع انقطع ، فهكذا حكم وجود العالم من الباري سبحانه الذي هو وجود بحت ووجوب صرف ، على أنّ وجود هذه الأفعال ليس من هذه المخلوقات بل هي أيضا من اللّه عزّ وجلّ وإنّما هي معدّات للقابلات والإفاضة من خالقها ، جل صنعه عن المثال كما جلّ ذاته عن الوهم والخيال . وقد ظهر من هذا البيان أن وجود العالم من الباري عز ذكره ليس كوجود الدّار من البنّاء المستقلة بذاتها المستغنية عن البنّاء بعد فراغه ، وحاشا أن يكون الأمر كذلك ، لأن البناء مركب للدار ومؤلف لها عن أشياء هي موجودة أعيانها قائمة ذواتها وليس الابداع والاختراع تركيبا ولا تأليفا ، بل إحداث وإخراج من العدم . ولكن كوجود الكلام عن المتكلم إن سكت بطل الكلام ، بل كوجود ضوء الشمس في جوّ المظلم الذات ما دامت الشمس طالعة فان غابت الشمس بطل الضّوء من الجوّ لكنّ شمس الوجود يمتنع عليه العدم لذاته . وكما أن الكلام ليس جزء المتكلم بل فعله وعمله أظهره بعد ما لم يكن ، وكذا النور الذي يرى في الجوّ ليس بجزء الشمس بل هو انبجاس وفيض . فهكذا الحكم في وجود العالم عن الباري جل ثناؤه ليس بجزء من ذاته بل فضل وفيض يتفضّل به ويفيض إلا أن الشّمس لم تقدر أن تمتنع نورها وفيضها ، لأنّها مطبوعة على ذلك بخلافه سبحانه فإنه مختار في أفعاله بنحو من الاختيار أجل وأرفع مما يتصوّره العوام ، وأشدّ
هامش
( 1 ) الحجر : المنع بين الشيئين بفاصل بينهما يقال : حجز بينهما قال عز وجل :وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً. والحجاز سمي بذلك لكونه حاجزا بين الشام والبادية . المفردات .