تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
وأمّا الحدوث بمعنى المسبوقية بالمحدث فله معنيان : أحدهما الحدوث الذاتي وهو أن يكون ذات الحادث مسبوقا بذات المحدث والآخر الحدوث الزماني وهو أن يكون زمان وجود الحادث مسبوقا بزمان عدمه ، والمعنى الأوّل يجري في كلّ ما سوى اللّه وهو ثابت في كل ما يجري فيه ، والمعنى الثّاني إنما يجري فيما يدخل تحت الزمان دون ما تقدّم على الزّمان ، وهو أيضا ثابت في كلّ ما يجري فيه لا يشذّ عنه شاذ . وبيان المعنى الأوّل أن المصنوع يمتنع أن يكون في مرتبة ذات الصانع ، لأن معنى الصانعيّة والمصنوعيّة ليس إلّا تقدم ذات على ذات توجد الثانية من الأولى ، ولو كانتا معا لكان الصنع تحصيلا للحاصل ، فكان الصانع في أزل قدمه والمصنوع بعد في حيز عدمه ، فكان الصانع ولا مصنوع ثمّ حدث المصنوع باحداث الصانع إياه . وبعبارة أخرى الايجاد لا يتعلق إلا بالمعدوم فلا يكون العالم أزليّا « 1 » ، وأيضا فكلّ ما وجوده من الغير فله مبدأ والابتداء ينافي الأزلية ، وأيضا يلزم أن يكون مستفيد الوجود من الغير لا يكون مستفيد الوجود من الغير . وهذا معنى حديث كان اللّه ولم يكن معه شيء ، ومعنى قول من قال الآن كما عليه كان ، ومعنى كان هنا معناها في قوله عزّ وجلّ :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
« 2 » فهو منسلخ عن معنى الماضي بل عن مطلق الزّمان وهذا التقدّم لصانع العالم على مصنوعاته هو التقدم الحقيقي الذاتي الذي لا تقدّم أشرف منه ولا في مرتبته في الشرف إذ لا ملاك لهذا التقدم سوى ذات الصانع بذاته ولا يفتقر المتقدم في تقدمه إلى واسطة تكون علّة لتقدمه . وكذا التأخر الذي بإزائه هو التأخر الحقيقي الذي لا تأخّر أحسن منه ولا في مرتبته في الخسّة إذ لا ملاك لتأخره سوى ذاته بذاته من دون واسطة ، وأمّا المعنى الثاني فيتبين مما يأتي .

كلمة بها يتبين انتفاء الزمان عن اللّه وعن ابتداء العالم

ليس بين اللّه وبين العالم بعد مقدر ، لأنّه إن كان أمرا موجودا يكون من العالم ، وإلا لم
هامش
( 1 ) الأزل بالتحريك : القدم ومنه يقال أزلي اي قديم وقيل : ان أصله ياء من قولهم للقديم لم يزل ثمّ نسب اليه فقيل يزلي فأبدلت الياء همزة . م . ( 2 ) سورة النساء : الآية 17 .