الربوبية دونه عزّ وجلّ ، فجعلها بقدرته في الأبدان التي قدرها لها في ابتداء التقدير نظرا لها ورحمة بها ، وأحوج بعضها إلى بعض وعلا بعضها على بعض ورفع بعضها فوق بعض درجات وكفى بعضها ببعض .
وبعث إليهم رسله واتخذ عليهم حججه مبشرين ومنذرين يأمرونهم بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع التي تعبّدهم بها ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات في الآجل ، ومثوبات في العاجل ومثوبات في الآجل ليرغبهم بذلك في الخير ، ويزهدهم في الشر ، وليذلهم بطلب المعايش والمكاسب فيعلموا بذلك أنّهم مربوبون وعباد مخلوقون ، ويقبلوا على عبادته فيستحقوا بذلك نعيم الأبد وجنة الخلد ويأمنوا من النّزوع إلى ما ليس لهم بحق .
ثمّ قال ( ع ) : يا ابن الفضل إن اللّه تعالى أحسن نظرا لعباده منهم لأنفسهم ، ألا ترى أنّك لا ترى فيهم إلّا محبّا للعلو على غيره حتى أنّ منهم لمن قد نزع إلى دعوى الرّبوبية . ومنهم من قد نزع إلى دعوى النبوة بغير حقها ومنهم من قد نزع إلى دعوى الإمامة بغير حقها ، مع ما يرون في أنفسهم من النّقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام المتناوبة عليهم ، والموت الغالب لهم والقاهر لجميعهم يا ابن الفضل ان اللّه لا يفعل لعباده إلا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) « 1 » .
المقالة الخامسة في حدوث العالم
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
الأعراف / 54 .
كلمة بها يتبين معنى الحدوث ومعنى ثبوته للعالم
أمّا الحدوث بمعنى أنّ له صانعا يفتقر إليه فلسنا نحن بصدد بيانه ، لأن كلامنا مع الخواص وهو عندهم بديهي ولهم ولغيرهم فطريّ كما مرّ بيانه
أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 2 » .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 3 » فهو ثابت بالفطر والنظر والعبر .
هامش
( 1 ) التوحيد : ص 402 ح 9 .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 10 .
( 3 ) سورة لقمان : الآية 25 وسورة الزمر : الآية 38 .