سما إلى ما يرتقيه ، ومن سما إلى ما يرتقيه فقد تخلق بالأخلاق النفسانية ، ومن تخلق بالأخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو إنسان دون أن يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصّوري وليس له من هذه الغاية مغيّر فقال اليهودي : اللّه أكبر يا ابن أبي طالب لقد نطقت بالفلسفة جميعا في هذه الكلمات رضي اللّه عنك ) .
وفي الحديث القدسي المتفق عليه بين أهل الاسلام ( ما يتقرّب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه وأنّه ليتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ، ويده التي يبطش بها إن دعاني أجبته ، وإن سألني أعطيته ) « 1 » .
أقول أعني محبة اللّه تعالى للعبد كشفه الحجاب عن قلبه وتمكينه إياه من قربه ومعنى المحبّة من العبد ميل نفسه إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها إلى ما يقربها إليه ، فإذا علم العبد أن الكمال الحقيقي ليس إلا للّه وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه ، لم يكن حبّه إلا للّه وفي اللّه ، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرّغبة فيما يقربه إليه واتباع من كان وسيلة إلى معرفته ومحبّته .
قال اللّه تعالى لرسوله :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
« 2 » فان بمتابعة الرّسول في عبادته وسيرته وأخلاقه وأحواله ونوافله يحصل القرب إلى اللّه وبالقرب يحصل محبة اللّه إياه .
قال العلامة المحقق نصير الدّين محمّد الطوسي قدّس اللّه سره : ( العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحقّ رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات وكلّ علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب « 3 » عنه شيء من الموجودات ، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي لا يتأبى عنها شيء من الممكنات ، بل كل وجود وكلّ كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه فصار الحقّ حينئذ بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به يوجد فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق اللّه بالحقيقة ) .
هامش
( 1 ) المحاسن : ج 1 ص 291 ح 443 والكافي : ج 2 ص 352 ح 8 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 31 .
( 3 ) قال تعالى :لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، أي لا يغيب عن علمه ولا يخفى وعن الصادق ( ع ) في لا يعزب الآية قال : اي بالإحاطة والعلم لا بالذات وإذا كان بالذات لزمها الحواية . م .