بينهما خلق اللّه سبحانه عالم المثال والأشباح برزخا جامعا بين عالم الأرواح وعالم الأجسام ليصحّ ارتباط أحد العالمين بالآخر ، فيتأتى حصول التّأثر والتأثير ووصول الامداد والتدبير ، فهو عالم روحاني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا يظهر في الزمان والمكان ، وبالجوهر العقلي في كونه نورانيّا منزّها عن المكان والزمان ، وليس بجسم مركب ماديّ ولا جوهر مجرّد عقليّ بل له جهتان يشبه بكلّ منهما ما يناسب عالمه .
وما من موجود محسوس أو معقول إلا وله مثال مقيد في هذا العالم البرزخيّ وهو في العالم الكبير بمنزلة الخيال في العالم الانساني الصّغير ، فمنه ما يتوقّف إدراكه على القوى الدماغية ويسمى بالخيال المتصل ، ومنه ما لا يتوقف على ذلك ويسمّى بالخيال المنفصل ، وبهذا العالم وخاصيّته يتجسّد الأرواح في مظاهرها المثالية المشار إليها بقوله سبحانه :
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
« 1 » وبقوله عز وجلّ حكاية عن السامري :
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
« 2 » يعني به جبرئيل ( ع ) : إذ كان راكبا على فرس ، وبما ورد ( أن النبي ( ص ) كان يرى جبرئيل ( ع ) في صورة دحية الكلبي ) « 3 » وأنه كان يسمع منه ( ع ) كلاما مقروء في كسوة الألفاظ والحروف .
وإلى هذا العالم يرقى المتروحون « 4 » في معارجهم الرّوحانية الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصّور الطبيعية العنصريّة واكتساء أرواحهم المظاهر الرّوحانية وفيه تتشكل النفوس الكاملة بصورهم المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الذي كانوا فيه أو يتشكل باشكال غير أشكالهم المحسوسة وهم في دار الدّنيا ، ويظهرون لمن يريدون الظهور له وبعد انتقالهم إلى الآخرة أيضا لازدياد تلك القوة بارتفاع المانع البدني .
وبالجملة به وفيه تجسّد الأرواح وتروح الأجساد وتشخص الاخلاق والأعمال وظهور المعاني بالصّور المناسبة لها ، بل ظهور الأشباح في المرايا وساير الجواهر الصيقلية والماء الصافي أيضا فإنها كلها من هذا العالم بل وفيه يرى ما يرى في الخيال من الصور في منام كانت أو يقظة فإنها متّصلة بهذا العالم مستنيرة منه كالكوى « 5 » والشبابيك التي يدخل منها الضوء في البيت فهو عالم وسيع يسع ما فوقه من المجردات بصورها وما تحته من الجسمانيات بصورها ، وهو واسطة العقل إليه تعرج الحواس وإليه تنزل المعاني وهو لا يبرح من موطنه
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
« 6 » .
هامش
( 1 ) سورة مريم : الآية 17 .
( 2 ) سورة طه : الآية 96 .
( 3 ) البحار : ج 58 ص 9 .
( 4 ) تروح القوم : ذهب إليهم في العشي .
( 5 ) الكو والكوة : الخرق في الحائط جمع كواء وكوى . المنجد .
( 6 ) سورة القصص : الآية 57 .