وذلك أن الواحد وإن كان منه يتصور وجود العدد وتركيبه في أفكار النفوس فهو لم يتغير عمّا كان عليه ولم يتجز ، وكذلك الباري تعالى وإن كان هو الذي اخترع الأشياء من نور وحدانيته وأبدعها وأنشأها وبه قوامها وبقاؤها وكمالها فهو لم يتغير عما كان من الوحدانية قبل اختراعه ، وكما أن الواحد لا جزء له ولا مثل في العدد ، كذلك الباري جلت عظمته لا مثل له في خلقه ولا شبه ، وكما أن الواحد محيط بالأعداد كلها يعدّها ويقدرها ، كذلك الباري جل ثناؤه محيط بالأشياء علما وقدرة ورحمة .
وكما أن الواحد أصل الأعداد ومبدأها وهو معها من غير ممازجة ولا مخالطة كذلك الباري سبحانه أصل الموجودات ومبدأها وهو معها من غير ممازجة ولا مخالطة ، وكما أن الواحد إذا رفع من الوجود توهما ارتفع العدد كله ، كذلك لو لم يكن الباري جل اسمه ارتفع الموجودات وجودا وتوهّما ، وكما أن من الاعداد ما هو أقرب من الواحد رتبة ومنزلة وهو الاثنان ثمّ الثلاثة ثمّ الأربعة ثمّ ما زاد ، كذلك من الموجودات ما هو أقرب إلى الباري رتبة ومنزلة إلى غير ذلك .
ومهما نظرت إلى الوجود جمعا وتفصيلا وجدت التوحيد يصحبه لا يفارقه البتة صحبة الواحد للأعداد ، فان الاثنين لا يوجد أبدا ما لم تضف إلى الواحد مثله ، ولا يصح الثلاثة ما لم تزد على الاثنين واحدا وهكذا إلى ما لا يتناهى ، فالواحد نصف العدد والعدد كله واحد لو نقص من الألف واحد انعدم اسم الألف وحقيقته وبقيت حقيقة أخرى وهي تسعمائة وتسعة وتسعون ، ولو نقص منها واحد ذهب عينها البتة فمتى انعدم الواحد من شيء عدم ذلك الشيء هكذا التوحيد إن حققته ،
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 1 » .
ومن اللطائف أن العدد مع غاية تباينه للوحدة وكون كل مرتبة منه حقيقة برأسها موصوفة بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها إذا فتشت حاله وحال مراتبه المختلفة لم تجد فيها غير الوحدة ، وأنك لا تزال تثبت في كل مرتبة من المراتب عين ما تنفيه فتقول : الواحد ليس بعدد والعدد ليس بواحد ، لأنه يقابله مع أنه عين الواحد الذي يتكرر ، والواحد عين العدد الذي يحصل بتكرّره ، فلك أن تقول لكل مرتبة إنها مجموع الآحاد وأن تقول إنها ليس مجموع الآحاد لاتّصافها بخواص ولوازم لا توجدان في غيرها .
ومجموع الآحاد جنس لكل مرتبة وكل مرتبة نوع برأسها فلا بد لها من أمر آخر غير جميع الآحاد وليس فيها شيء غير جميع الآحاد فلا تزال تثبت عين ما تنفي وتنفي عين ما تثبت ، وهذا
هامش
( 1 ) سورة الحديد : الآية 4 .