تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ويؤيّد هذا التشبيه والتجوز ويشيّده ما يقال : إن نسبة المادة إلى مقبولاتها التي هي لابستها وخالعتها من الصور والاعراض نسبة البحر إلى الأمواج ، ولك أن تعمم المادة التي عبر عنها بلسان الشرع بالماء بما يشمل مادة الأرواح فان التحقيق الأتم يقتضي أن لا تخلو الأرواح أيضا من مادة هي منشأ امكانها الذاتي القابل للوجود الخاص ومبدأ استعدادها الفطري كامتثال أمر كن في علم اللّه سبحانه . فان كلّ ممكن جسما كان أو روحا فهو زوج تركيبي له عدم من نفسه ووجود من ربّه ، تميّز عدمه بذلك الوجود وتخصّص به ، أحدهما بمنزلة المادة ، والآخر بمنزلة الصّورة وباعتبار تقدم القابل على المقبول ورد : ( أول ما خلق اللّه الماء ) « 1 » ، ولكون القابل ليس من عداد المخلوق بل هو شرط له ورد : ( أول ما خلق اللّه العقل ) « 2 » ، وفي كلام الإمام ( ع ) إشارة لطيفة إلى ذلك كما لا يخفى . وأمر الجهل بالادبار أمر تكوين اي اهبط من عالم الملكوت والنور إلى عالم المواد والظلمات مصلحة للنظام وابتلاء للأنام إذ نظام هذا العالم وعمارته لا ينصلح الا بنفوس شريرة وقلوب قاسية ، وتكميل السعداء المهتدين لا يتمشى إلا بوجود الأشقياء المردودين ، ولأن يتحقق مظاهر بعض الأسماء فيوجد آثارها كالعدل والمنتقم والجبار والتواب والغفور والعفو فإنها أسماء إلهية وصفات ربانية لا يظهر آثارها وغاياتها إلا إذا جرى على العبد ذنب . ولذلك ورد في بعض الأخبار ( لولا أنكم تذنبون لذهب اللّه بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر اللّه لهم ) « 3 » . فادبار الجهل توجّهه إلى عالم الزور « 4 » وبعده عن مقام الرّحمة والنور هابطا مع العقل حيث هبط ، وظهوره في حقايق النفوس والطبائع والصور والمواد بان صار جسما مصوّرا من ماء أجاج وأرض خبيثة منتنة ، ثمّ صار نباتا ثمّ حيوانا ذا جهل هيولاني ، ثمّ اكتسب جهلا بالملكة ، ثمّ جهلا مستفادا ، ثمّ جهلا بالفعل ، وعند ذلك انتهى ادباره وصار في غاية البعد من اللّه سبحانه وكذلك فعل من تبعه وشيّعه من الأرواح الخبيثة المنشعبة منه ويلحق به ويحشر معه في هوية
هامش
( 1 ) كما في الكافي : ج 8 ص 94 و 95 . ( 2 ) العوالي : ج 4 ص 99 ح 141 . ( 3 ) احياء علوم الدين : ج 4 ص 141 وصحيح مسلم : ج 4 ص 2105 . ( 4 ) الزور : الميل عوج الزور أو اشراف أحد جانبيه على الآخر . المنجد . وقال في المفردات وقيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته .