تدرك بنور الشمس المحسوسات في هذا العالم ولو لاه لما أبصرت شيئا فكذلك عين البصيرة تدرك بنور العقل المعقولات في ذلك العالم ولو لاه لما أبصرت شيئا ، وكما أن من عمي بصره لا يبصر بنور الشمس شيئا فكذلك من عميت بصيرته لا يبصر بنور العقل شيئا .
ثمّ إن هذه الأنوار الشعاعية المنبجسة « 1 » من ضياء العقل والنّور المحمّدي منها ما هو غريزي للانسان به يتهيأ لادراك العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية فيخرجها من القوة إلى الفعل شيئا فشيئا وبها يفارق ساير الحيوانات ، ومنها ما هو مكتسب له به يميّز بين النافع له في المآل والضار به فيه ، فيقدم على النّافع ويجتنب الضار ويختار الاجل الباقي على العاجل الفاني في النفع وبالعكس في الضرر ، وهو ثمرة الأولى والغاية القصوى له ويؤيّده الملائكة وتلهمه وتهديه .
وإلى كلا العقلين أشير فيما ينسب إلى أمير المؤمنين ( ع ) أنه قال : ( رأيت العقل عقلين :
فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع كمالا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع ) « 2 » ولكل منهما درجات ومراتب فكامل وأكمل وناقص وأنقص .
والجهل جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض وبتبعية العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل يقوم به كل ما في الأرض من الشرور والقبائح وهو بعينه نفس إبليس وروحه الذي به قوام حياته الذي تشعب منه أرواح الشياطين ثمّ خلقت من ظلمتها أرواح الكفار والمشركين ، والبحر الأجاج هو المادة الجسمانية الظلمانية الكدرة التي هي منبع الشرور والآفات في هذا العالم ، وهو إشارة إلى علته القابلية قال اللّه تعالى :
وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
« 3 » أي كان بناء العالم الجسماني وقوامه على المادة التي لها قبول كلّ خير وشر كالماء القابل للتشكلات المختلفة بسهولة فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج « 4 » .
وعن الباقر ( ع ) ( ان اللّه تعالى قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماء عذبا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ثمّ أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا ) « 5 » .
هامش
( 1 ) بجست الماء فانبجس من باب قتل أي فجرته فانفجر وفي دعاء الغيث منبجسة بروقه أي منفجرة بالماء . م .
( 2 ) احياء علوم الدين : ج 1 ص 80 .
( 3 ) سورة هود : الآية 7 .
( 4 ) ملح أجاج : شديد الملوحة والحرارة .
المفردات .
( 5 ) الكافي : ج 2 ص 6 ح 1 .