تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحقائق في محاسن الأخلاق — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
جانبيه وأشرفهما ، وهو عالم الرّوحانيات كما أن يساره أضعفهما وأدونهما وهو عالم الجسمانيات ، ومعنى قوله : أدبر ، أي انصرف إلى الدنيا واهبط إلى الأرض رحمة للعالمين فأدبر . فنزل إلى هذا العالم بأن أفاض باذن ربّه النفوس السّماوية والأرضيّة واظلالها « واطلالها خ » من الطبائع والمواد ، فظهر في حقيقة كل منها وفعل فعلها فصار كثرة وأعدادا وتكثر أشخاصا وأفرادا ، ثمّ قال له : أقبل أي توجه إليّ وترق إلى معارج الكمال باكتساب المقامات والأحوال ، فاقبل فأجاب داعي ربّه وتوجّه إلى جناب قدسه بأن صار جسما مصوّرا من ماء عذب وأرض طيبة ثمّ انبت نباتا حسنا ثمّ صار حيوانا ذا عقل هيولاني ، ثمّ صار عقلا بالملكة ، ثمّ عقلا مستفادا ، ثمّ عقلا بالفعل ، ثمّ فارق الدنيا ولحق بالرفيق « 1 » الأعلى . وكذلك فعل كل من تبعه وشيعه من الأرواح المنشعبة منه المقتبسة من نوره والمنبجسة من شعاعه ويلحق به الجميع ويحشر معه في عروجه إلى العالم الأعلى ورجوعه إلى اللّه تعالى . فادباره عبارة عن توجهه إلى هذا العالم الجسماني والقائه عليه من شعاع نوره وإظهاره الأعيان فيه وإفاضته الشعور والادراك والعلم والنطق على كلّ منها بقدر استعداده له وقبوله منه من غير أن يفارق معدنه ويخلي مرتبته ومقامه في القرب ، بل يرشح بفضل وجوده الفائض من اللّه تعالى على وجود ما دونه . واقباله عبارة عن رجوعه إلى جناب الحق وعروجه إلى عالم القدس باستكماله لذاته بالعبودية الذاتية شيئا فشيئا من أرض المادة إلى سماء العقل حتى يصل إلى اللّه ويستقر على مقام الأمن والراحة ، ويبعث إلى المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون . فادباره في جميع المراتب ايجابي تكويني لا يحتمل العصيان وأمريّ دفعيّ لا يدخل تحت الزمان ولا يتطرق إلى السّابق عند وجود اللّاحق بطلان ولا نقصان ، وإقباله في الأواخر تكليفي تشريعي وكله خلقيّ تدريجي مقيّد بالزمان يبطل السّابق عند اللّاحق شخصا وجسما لا حقيقة وروحا ، وكل مرتبة منهما عين نظرية من الآخر حقيقة ، وغيره شخصا والشرف والكمال إنما هو بالدنو من الحق المتعال ففي البدو كل ما تقدم كان أوفر اختصاصا ، وفي العود كل ما تأخر كان أعلى مكانا . ومثل نور العقل في عالم الغيب مثل نور الشمس في عالم الشهادة فكما أن عين البصر
هامش
( 1 ) في حديث عائشة سمعته ( ص ) يقول عند موته : بل الرفيق الاعلى ، وذلك أنه ( ص ) خير بين البقاء في الدنيا وبين ما عند اللّه فاختار ما عند اللّه تعالى . م .