والبحار والأودية والنبات والحيوان وغيرها ، وفي رواية أسماء أنبياء اللّه وأوليائه وعتاة أعدائه .
أقول : ولعلّ وجه التوفيق أن المراد بالأسماء أسماء الحسنى التي بها خلقت المخلوقات كما أشرنا إليه سابقا وإنما أضيفت تارة إلى المخلوقات كلها لأنّها كلها مظاهرها التي فيها ظهرت اتصاف مجتمعه أي ظهرت صفات اللطف كلها أو جلها في الأولياء وصفات القهر كلها أو جلها في الأعداء .
والمراد بتعليمها آدم كلها خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة حتى استعد لادراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات ، والهامة معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأصول العلم وقوانين الصّناعات وكيفية آلاتها والتمييز بين أولياء اللّه وأعدائه فتأتّى بمعرفة ذلك كله مظهريّته لأسمائه تعالى كلها وجامعيّته جميع كمالات الوجود اللائقة به حتى صار منتخبا لكتاب اللّه الكبير الذي هو العالم الأكبر كما قال أمير المؤمنين ( ع ) ، شعر
دواؤك فيك وما تشعر * وداؤك منك وما تستنكر
وأنت الكتاب المبين الذي * بأحرفه يظهر المضمر
وتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر « 1 »
وإنما تعرف الملائكة حقايق الأشياء كلها لاختلافها وتباينها وكونهم وحدانية الصّفة ليس في جبلتهم خلط وتركيب ، ولهذا لا يفعل كل صنف منهم إلا فعلا واحدا فالراكع منهم راكع أبدا ، والسّاجد منهم ساجدا أبدا ، والقائم منهم قائم أبدا كما حكى اللّه عز وجل عنهم بقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 2 » ولهذا ليس لهم تنافس « 3 » وتباغض ، بل مثالهم مثال الحواس فان البصر لا يزاحم السمع في إدراك الأصوات ولا الشم يزاحمها ولا هما يزاحمان الشم فلا جرم مجبولون على الطاعة لا مجال للمعصية في حقهم
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 4 » ،
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
« 5 » « 6 » .
فكل صنف منهم مظهر لاسم واحد من الأسماء الإلهيّة لا يتعداه ففاقهم آدم بمعرفته الكاملة ومظهريته الشاملة فمعنى قوله تعالى سبحانه :
أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
« 7 » أخبرهم بالحقايق
هامش
( 1 ) من الشعر المنسوب للإمام علي ( ع ) : ص 75 .
( 2 ) سورة الصافات : الآية 164 .
( 3 ) نافس فيه : رغب على وجه المباراة في الكرم كتنافس . ق .
( 4 ) سورة التحريم : الآية 6 .
( 5 ) فتر يفتر فتورا : سكن بعد حدة ولان بعد شدة . ق .
( 6 ) سورة الأنبياء : الآية 20 .
( 7 ) سورة البقرة : الآية 33 .